تأتي الزفة الفلسطينية في مجملها ودلالتها الخارجية شكلًا من أشكال الاحتفال الشعبي الذي يشمل مناسبات الزواج والتخرّج ونيل المناصب وما هو أشرف من ذلك كله أيضًا، الشهادة. الفلسطينيون في الداخل الذي يزفّون أبناء الوطن في شوارعه وزقاقه تحت ظروف الاحتلال الخانقة وقيوده وانتهاكاته المتزايدة والفلسطينيون في الشتات الذين يزفون حلم العودة بأعينهم وقلوبهم وحناجرهم الصادحة جعلوا من هتافاتهم مادة ثقافية على صعيد اللغة والمحتوى حافظت على الطابع الشعبي للزفة ونقلتها لتصبح نوعًا من الفكر الثوري الفني.

بالقامات ظريفة الطول وعصبات الرأس متنوعة الألوان والدلالات، بالشاب المحمول على الأكتاف وبالأيدي التي تحمل اللافتات والأعلام، تعكس مضامين الهتافات أحداث تاريخية وآلام شعب مقاوم وإرث عتيق من التقاليد تتنوع أساليب إلقاءه تبعًا لملقي الهتافات نفسه – الهتّاف – والذي إما أن يهتف ويعيد الحضور من بعده، أو يواصل الهتاف ويكرر الحضور كلمة أو جملة واحدة محددة بين الفينة والأخرى. وثمة أسلوب آخر يشمل الهتاف الجماعي الواحد من الحضور، أو الهتاف الجماعي من مجموعتين يردان على بعضهما كالمعارضة الشعرية.

ولا يكون ترتيب الهتافات عبثيًا أبدًا، إذ يبدأ الهتّاف بالترحيب بالحضور حسب الوقت والمكان المناسبين كأن يقول: «الله يصبّحكم/ يمسيكم بالخير، يا كل اللي بيسمعنا، يتبعه التهنئة والتبريك للشخص المعني وأهله الحاضرين مع ذكر أسمائهم بشكل متناسق مع اللحن والإيقاع».

وتلخص هتافات الزفة مبادئ ثابتة مثل «الموت ولا المذلة، وسخرية من التضييقات المحيطة وطيلي الصوت شوية وخلي الزفة سرية، ونداء وخطاب للأرض المسلوبة عشنا وعشتي فينا فلسطين، وتحديًا للواقع طاق طاق طاقية، أنا بلا هوية، ومواقف تاريخية يا عكّاري عيد الكرّة، اقتل جندي وحرّر أسرى، وأحداث ذات معنى يا أبو عبيدة يا مغوار سمعني صوت الإنذار».

كما تتمسك ببساطة التعبير وقوته «رن رن يا جرس/ يا ولاد حارتنا، والمقاومة المتأصلة لمين الطفل الصغير الملثم بالكوفية؟ هذا ابنك فلسطين نازل ع الصهيونية، والأغاني الثورية الدارجة جنة جنة جنة، تسلم يا وطنّا/ هبت النار، والطابع الديني المحافظ صلوا صلوا ع الرسول رغم اكتنافها قلة من عبارات الشوارع التي تعكس طبيعة حياة المخيم وشبابه الأحرار».

ولا تعنى الزفة الفلسطينية بالفلسطيني فقط، بل إنها توحد الحضور حسب السياق في أقوال مثل «ياللي بتسأل احنا مين؟ احنا نشامى الأردن، احنا شبابك فلسطين و يا الله يا رحمن، تجمعنا بأرض الأوطان، وتؤلف بين الأوجاع العربية حينما يهتف الشبان بالدعاء وبالصمود للدول العربية الجريحة في مشهد يشد فيه الكتف بالكتف والديّة بالديّة».

تستقطب الزفات كافة فئات المستمعين على اختلاف اهتماماتهم، فالمستمع وإن كان باحثًا عن فكرة نبيلة أو لحن جميل أو أداء شعبي أو حضور قوي يجد جميعها، خصوصُا إذا كان الهتّاف أو الهتافين الذي يتبادلون الأدوار على قدر من التمكن في التنقل بين الهتافات المتنوعة وجذب انتباه الحضور والحفاظ على حماسهم من خلال تغيير الإيقاع ونبرة الصوت وتكرار الكلمات وحركة الأيدي وتعابير الوجه التي تساهم – مع المحتوى – بقدر كبير في رونق الزفة» .

وتمتلك الزفة بتنظيمها العفوي حسًا فوضويًا أنيقًا يميز الأجواء أكثر من أي فنون أخرى بالغة في التنظيم والتنسيق والتكلف، فزغاريد النساء وقتما أتت تكون في الوقت المناسب، «حالها حال تطيير الحمام – تقليد إفلات الحمام الأبيض في السماء دلالةً على الحرية – وتحريك الأعلام أو حتى البدء في الدبكة التي ترافق الزفات في أغلب الأحيان على ألحان القربة التقليدية وغيرها من آلات الموسيقية الشعبية».

الحراك الشعبي الفلسطيني أو العربي أو الدولي المتحرر من التبعية والفصائلية والذي تجمعه المبادئ أكثر من المناصب والتسميات الهيكلية، الذي لا يمجد الأسماء أو الحدود بل الحرية والثورة والمقاومة هو ما يجمع الناس أينما كانوا ويلملم شتات أنفسهم ليستشعروا الإنسانية والرغبة بالحياة قبل الشعور بالانتماء لقضية ما حاله حال الهتافات الآتي صداها من ماضي الثورات البعيدة ومن الربيع العربي المؤخر ومن صلب الشعب الفلسطيني المستمر للأبد والتي لا تشكل مجرد عبارات منمقة أو مشاعر وطنية لحظية، بل إقرارًا «بأننا رح نمسك ع الجمرة، جوا الجمرة فكرة، الفكرة فيها ثورة».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد