«سلو بلدنا بيقول كدا»، كم وقعت هذه الجملة على أذاننا مرات, ولكنها لم تحرك فينا ساكنا! ولماذا نهتم بها؟ ولكنها إن دلّت على شيء, فإنها تدل على الجهل المطلق!

إن كُنت مُتزوجًا فلا تقرأ؛ فلن يُفيدك كلامي هذا، وإذا كنت ستتزوج من بلد آخر، غير مصر، فلا تقرأ أيضا؛ فلن تسمع جملة «سلو بلدنا».

أما عن “سلو” فى اللغة العربية

سلو: المصدر سلا

سلا عن يَسلُو ، اسْلُ ، سَلْوًا وسُلُوًّا وسُلْوانًا ، فهو سالٍ ، والمفعول مَسْلُوّ، سلا سلوًا وسلوانًا: نسيه وطابت نفسه بعد فراقه (المعجم الوجيز). السُلُوًّ : الهِجْرَانُ، النِسْيَانُ ، السُلْوَانُ (المعجم الرائد)

أما عن معناها المُدرج لدينا بأن السلو هو العُرف!

والقاعدة الأولى من سلو بلدنا هي أننا يجب أن نسير على سلو بلدنا ولا نخالفه. و«السلو» عمومًا مُجرد إرث سخيف ورثناه من أسلافنا وأجدادنا، وطبقناه بحذافيره، دون تفكير, مرددين جملة «هذا ما وجدنا عليه آبائنا وأجدادنا»، مع أن من خالف هذا العُرق ــ أو السلو ــ لم يمت! ولكن نظل متشبثين به، ولا أعلم لماذا؟ وإلى متى؟ ومتى سننفض عن أنفسنا بقايا التخلف والجهل المترسخين بداخلنا، حتى ولو لم نجهر بهما, ولكن آثارهما تظهر جلية في أفعالنا.

كنت كثير ما أسمع حكايات مضحكة أحيانًا، ومحزنة أحيانا أخرى، عن عُرف المدن والقرى المختلفة عند الزواج, وعن دفاعهم المستميت عن عُرفهم هذا, رغم لا منطقيته ولا عقلانيته, ولكنى كنت أتخذ من الأمر دُعابة, ما دُمت أننى لن أتزوج من هذه المدن والقري الغريبة، وبالتالى لن يسري عليّ عُرفهم أو سلوهم.

وبعد حكايات طال سمعها؛ «هو دا سلو بلدهم» ارتبطت هذه الجملة في عقلي بعادات غريبة ستأتي بعدها، وتقاليد ــ أو تقاليع ــ سَتُقص بعد النطق بها، وكنت لا أعي مقدار الأسى التى تحمله الجملة, حتى جاء دوري، وقيلت لي فأصبحت على أتم الوعى بها.

*****

كانت لي أخت, تَقدم غريبا ــ من بلدٍ بعيدٍ ــ لخطبتها, وجاء معه والده, وتحدثا مع والدي فى الأمر، ولكن والدي أنهى الكلام سريعًا معهم قائلًا إنه سيأخذ رأي العروس ــ أختى ــ وإن وجد منها قبولًا لفكرة الزواج عمومًا سيسأل عن أخلاق العريس وسمعة أهله, ثم سَيُعطيهم ردًا نهائيًا، سواء أكان بالرفض أو القبول.

خرج العريس من منزلنا يحمل من الاستغراب الكثير, كيف لوالدى أنه لم يسأل عن ظروفه المادية كما يفعل أي أب! ولم يستفسر إن كان يملك شقة أم لا؟ كما يفعل معظم الآباء, أو يسأل عن عمله أو يتحدث عن ظروفه المادية هو وأهله!

كان هذا الموقف من أبي, مثيرًا للدهشة؛ فقد ضرب بكل العرف أو السلو عرض الحائط، وجعلني هذا الموقف أعي ــ فيما بعد ــ أن أبي عاقل تمامًا؛ لم يهتم والدي بالماديات أبدًا, وكان جُل اهتمامه مُنصبًا على أخلاق الزوج الذي سيسكن مع أختي للأبد. ورفض أبي بعدها الزيجة، مع أن العريس ــ لُقطة كما يقولون ــ فهو يمتلك شقةً واسعة ـ جدًا ـ ويعمل محاسبًا في إحدى الدول العربية! وكان رفض والدي؛ لأنه لم يجد قبولًا من أختي تجاه مشروع الزواج، ولم يحاول إرغام أختي على شيء لا تريده، ومَنَعَ أمي من التحدث معها في هذا الشأن.

كانت تلك النظرة لأبى عن الزواج, ألا يرغم أختى على زيجة لا تُريدها، حتى وإن بقيت معه للأبد ــ عنست يعنى ــ  وأن يزعن لها إن رأى منها قبولًا لأحد العرسان المتقدمين، مهما كانت ظروفه، شريطة أن يكون ذا أخلاق, ثم تأتى في النهاية الحالة المادية، وإن كانت لا تُهم أبي إطلاقا، فهو يؤمن بأن الرزق بيد الله وحده.

*****

كُنت طفلًا حينها, لذلك لم يُمثل لي موقف أبي أي شيء, وكنت أقول كما تقول أمي «إزاى يضيع بابا عريس زي دا من أختي!

حتى أتى دوري, كأي شاب مصري, لم يرث من والده تركة، ولا يملك شقة, فسيلجأ إلى إيجار شقة للسكن بها، فأوقعه الحظ العاثر بحب فتاة من بلد أخرى، ليصبح غريبا عن قريتها, ووعدها بالزواج.
ولكن «سلو بلدهم» يَقول إنه يجب على العريس بعد زيارته لأهلها, أن ينتظر فيها أن تُرد الزيارة له عن طريق والدها, ليرى «الشقة» التي ستتزوج فيها ابنته, ثم يحدد والدها إن كانت «الشقة» تَصلح أم لا؟ فالزيجة كلها متوقفة على الشقة التي يَملكها العريس، وكأن الشقة أهم من الزوج نفسه!

تفكير مادي بحت, يغلب عليه الجهل الراسخ, ولكن لا لوم لها أو لوالدها؛ لأن «سلو بلدهم هو الىّ بيقول كدا»!

أما من لا يملك شقة، فاحتمالات الزواج بالنسبة له في قريتهم, شبه معدومة، كأنه رجل «مخصي»! وكأن الشقة هي دليل رجولته! وأن الذى لا يمتلك شقة لم يبلغ مبلغ الرجال بعد.

عندما علم أبي بـ «سلو بلدهم»، اعتذر لي بأسى بالغ؛ لأنه لم يبن لي شقة تحتويني, وحتى يستطع أن يُنفذ ما يمليه «سلو بلدهم».

لا أعرف لماذ تَخلف من أسلافنا هذا الجهل المطلق, مجرد تَعنت فارغ ناتج عن جهل بطبيعة الحياة التى نحياها الآن، وعن الدين الذى نؤمن به!

ثم يقع اللوم في النهاية عليّ؛ فأنا ــ كما قالت والدتها ــ كذبت، عندما وعدتها بالحب, وكانت هي مجرد تَسلية بالنسبة لى, وشَغلًا لوقت فراغى, ويجب أن أُعاقب على ــ لعبى ببنات الناس ــ فيتم سحلي أو رجمى حتى الموت!

*****

وهذا فقط، مثال من آلاف الأمثلة, بل ملايين! ولن أطلب منكم حرق العُرف, أو دفن كل ما ورثناه من عادات وتقاليد غريبة من أسلافنا, ولكن ما أرجوه منكم جميعا, أن تُعمِلوا عقولكم في بعض المفاهيم المتعلقة بالعُرف, والحياة عمومًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد