كثيرًا في أسفارنا تطالعنا إرشادات الطريق، تخبرنا عن السرعة القصوى، وعن اتجاه السير، وعن المسافة المتبقية إلى وجهتنا. تبدو العلامات جامدة صامتة مثل الوجه المتجهم، تحذرك دائما بكلمات مقتضبة خالية من أي مشاعر، تبدو وكأنها سيل من الأوامر العسكرية الصارمة.

إلا أن إحداها تلفت الانتباه لما تحويه من معنى به عاطفة وود، وتشعر أنها صادرة من شخص حاني عطوف يدعوك برفق وكأنه يقول لك: تمهل بني أمامك منحنى خطر عليك.

إنها كلمات تخاطبك بحب واهتمام، وتشعرك بالقرب والود، حتى أنك تكاد تنطق من فرط قربها إلى قلبك: شكرًا يا عماه على نصيحتك الغالية سأعمل بها تقديرًا لك.

ونحن في رحلة عمرنا نحتاج إلى من يقول لنا تمهل بني واحسب حسابتك قبل الإقدام على ما أنت مقدم عليه، تمهل فسرعتك واستعجالك قد تودي بك إلى ما لا تحمد عقباه. وكم من مواقف في الحياة تباطؤها ينجينا وسرعتها قد تهلكنا.

وكم من أناس ينطلقون مسرعين متعجلين؛ فيدخلون تلك المنحنيات الخطرة واحدًا تلو آخر حتى يتوقفوا إثر اصطدام مروع، ينهي عجلتهم، ويوقف سرعتهم وأحلامهم وآمالهم، وكان يكفيهم قليل من التمهل يقيهم من الهلاك.

ولست أدرى كيف يتسلل وباء التنافس المعدي بين السائقين على من يصل فيهم إلى أقصى سرعة، حتى أن أحدهم ليضحي بحياته ليفوز في لعبة الموت. إنه التنافس الأعمى المعدي الذي يجعلنا نتخذ مواقف خطره في حياتنا، لا لشيء إلا لإرضاء الأنا الشريرة بداخلنا، غير عابئين بما قد نسببه لأنفسنا أو للناس حولنا من أسى وألم.

كل منا يحتاج إلى التمهل والتفكير قبل الإقدام على أي من قرارات حياته المصيرية، وقبل الدخول إلى منحنيات كبيرة ومسارات جديدة في رحلة الحياة، ولعل أهمها هو الزواج.

تمهل أيها الزوج/ـة يجب أن تعرف أن الزواج يعني أن تتغير أشياء كثيرة في حياتك، وعلاقاتك، وعاداتك، وتصرفاتك إذا كنت مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بأمك أو إخوتك، ولا تستطيع أن تعيش من دونهم، فحتمًا سيكون الزواج منحنى خطرًا جدًّا بالنسبة لك.

تمهلي أيتها الزوجة إن كنتي لا تستطيعين ألا ينازعك أحد في مكانة إخوتك وأهلك في قلبك. وإن كنتي لا تستطيعين العيش بدون صديقاتك، ولا تتحملين العيش بعيدًا عنهم. إن كنتي لا تستطيعين أن تغادري بيتك الذي ألفتيه وتربيتي فيه، ومدينتك التي أحببتها، فالزواج حتمًا لن يكون حدثًا سعيدًا بالنسبة لك.

تمهل أيها الزوج، ولا تجعل التنافس الأعمى يسيطر على تصرفاتك، فليس الزواج فرصةً لتثبت أنك الشاب رقم واحد في العائلة، وأنك ستتزوج من هي أفضل من بناتهن، أو لتنتقم ممن رفضوا زواجك من ابنتهم. تمهل فليس الزواج منافسة للفوز بالمركز الأول والحصول على العروس الذهبية، لتصعد خشبة المسرح، ويصفق لك الناس.

تمهلي أيتها المرأة، فليس الزواج حدثًا يمنحك السبق بين قريناتك، ويثبت للمجتمع أنك أفضل ممن حولك لأنك تزوجتي قبلهن، أو تزوجتى مبكرًا أو متأخرًا ليس الزواج ترقية مستحقة لك، ولا ترتيبًا في سلم التفوق الدراسي تحصلين فيه على زوج ممتاز أو جيد أو مقبول.

تمهل أيها الرجل، فليس الزواج فرصة للمنفعة الاجتماعية أو الربح المادي، أو أنه ذلك البساط السحري الذي سيصعد بك إلى أعلى الهرم الطبقي في المجتمعات الرأسمالية.

تمهل وتمهلي ليس الزواج بدافع الشفقة أو الإحراج أو المجاملة العائلية أو نزولًا على رأي الأم أو الأب زواجًا ناجحًا. تمهلوا فبر الوالدين فيما يتعلق بهما، وليس فيما يتعلق بك من قرارات مصيرية مثل مجال الدراسة، والزواج، وغيرها.

أيها القارئ العزيز، تمهل، اجلس مع نفسك مليًا، اعرف نفسك جيدًا، اعرف ذاتك، حدد أهدافك وطريقك في الحياة، أسال نفسك: من أنا؟ ماذا أحب؟ ماذا أكره؟ ما هو هدفي في الحياة؟ ما هو أهم إنجاز أسعى له في حياتي؟ فإذا عرفت إجابتك وسجلتها بوضوح حتمًا ستعرف عن ماذا تبحث ومن تتزوج.

إنه الوضوح مع النفس، ومعرفة طبيعة الطريق الذي ستسيره، والرحلة التي ستسافرها، ومن سيرافقك في هذه الرحلة وهذا السفر، ومن يشبهك ويؤنسنك ويشاطرك ذات الاهتمامات والأفكار والمشاعر والغايات والأهداف.

عليك أن تدرك أيها الرجل، وأيتها المرآة أن الزواج أمر جلل، ويحتاج للرغبة والقدرة على تغيير السلوكيات والتصرفات والعادات، وبناء علاقات جديدة تتمحور حول شريك الحياة، وتتطلب القيام بواجبات ومسئوليات نحوه بكل حب وامتنان.

نعم سوف يكون له الأولوية والمكانة الأولى بغير منازع.

يجب أن نكون صادقين مع أنفسنا، فكثير من الناس ليس لديهم الرغبة أو القدرة على القيام بتلك الواجبات والمسئوليات وأداء هذه الحقوق. وليس لديهم الرغبة في تغيير الأشخاص الذين يمثلون لهم الأولوية في حياتهم، ومع ذلك يقدمون على الزواج بدافع التنافس، أو الفوز، أو الانتقام، أو استكمال الوجاهة الاجتماعية، وهذا يضع الطرف الآخر كضحية لمغامرة غير محسوبة لهؤلاء المتهورين المتسرعين، والذي حتمًا ما ينتح عن تهورهم ضحايا من رجال ونساء وأطفال.

إنها الحقيقة الواضحة، والتي يغفل عنها الجميع «إن الحياة مثل القيادة، وبعض هفوات البشر الصغيرة تؤدي أحيانًا إلى حوادث خطيرة لا يمكن أن تعوض أبدًا».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد