تمهيد

تعد السرعة عنصرًا مهمًا في الصحافة لإعلام الناس بالأخبار وتوصيلها إليهم في أسرع وقت ممكن، ويُنظر إلى هذه الفلسفة كأحد الأساسيات في الصحافة منذ ظهورها، واليوم نعيش في عصر رقمي تتسابق فيه وسائل الإعلام لتغطية ما يجري من أحداث للحصول على سبق صحفي يجعل الجمهور يقرأ أو يتابع ما يُنشَر عبرها، وفي ظل هذه السرعة والكم الهائل من المعلومات المتاحة عبر شبكة الإنترنت، بدأت الأخبار تفقد جودتها وقيمتها، وكثير منها لا يحمل ما يشرح ويعرض جوانب الحدث وما يترتب عليه من نتائج، كما إنَّ هذه السرعة تُشكِّل ضغطًا على الصحفيين العاملين في وسائل الإعلام لا يستطيعون مجاراته بسبب التطور التكنولوجي والتغيُر الملحوظ في حلقة من حلقات سلسلة العملية الاتصالية وتحول طرف منها إلى صانع للمحتوى والمضامين وهو المتلقي أو الجمهور.

هُنا كان لابد من ظهور نوع أو نمط صحفي جديد يُعطي أهمية للحدث ويهتم بجودة القصة الصحفية وقيمتها، والوظيفة الاتصالية والإعلامية التي تؤديها بالنسبة للفرد والمجتمع، وهذا النوع الجديد من الصحافة هو ما يُطلَق عليه الصحافة المتأنية أو الصحافة البطيئة (Slow Journalism)، التي تعد امتدادًا للحركة البطيئة (Slow Movement) التي ظهرت في روما عام 1986م لإبطاء وتيرة الحياة وكانت تستهدف شركات إنتاج الطعام السريع غير الصحي، تدريجيًا بدأت تدخل هذه الحركة مختلف المجالات ومنها الإعلام والصحافة والنشر، حتى أصبحت ثقافة تبحث عن الجودة والنوع قبل الكم.

ظهور المصطلح

كان أول ظهور لمصطلح الصحافة المتأنية عام 2007 في مقال نُشِرَ في مجلة (Prospect) البريطانية ذكرت فيه الكاتبة بأنَّ العالم يحتاج إلى صحافة تنظر إلى الأحداث والقصص من منظور آخر مختلف تمامًا عما هو متاح في وسائل الإعلام، وينبغي تقديم الدعم المادي والمعنوي للصحافيين وتشجيعهم للخوض في قصص بطيئة وطويلة تناقش قضايا غير تقليدية، ودعت أيضًا إلى توفير المزيد من المنافذ لهذا النوع من الصحافة الذي يبحث عن الجودة من أجل بناء نموذج فاعل لإنهاء هيمنة الأخبار العاجلة والسريعة على حياتنا.

ورغم أنَّ مفهوم الصحافة البطيئة لا يزال قيد التطور والتشكل بين الباحثين، لكن هناك عدد من القيم أو الأسس التي يمكن أن تنطلق منها دراسات وأبحاث لتحديد هذا المصطلح بشكل أوضح والخوض في تفاصيله وهي كالآتي:

1- التأني: تنتظر الصحافة المتأنية أن يستقر الغبار وتزول العاصفة للنظر في كل الجوانب التي لم يُنظر إليها وأهملتها وسائل الإعلام دون أن تذكرها أو تسلط الضوء عليها، وهي بطيئة جدًا تتطلب الوقت والصبر، فهناك موضوعات وقصص استغرقت سنوات لإنجازها، وهو ما سعى إليه الصحافيون منذ بدايات ظهور الصحافة البطيئة، إذ ركزوا على كتابة ملامح قصص تتسم بالعمق وتُعيد النظر في الأحداث الرئيسة التي شغلت الجمهور لكن من زاوية أخرى.

2- الجودة: أن تكون كتابة القصة رصينة وقوية فيها نوع من الابتكار والابداع، تقترب إلى حد كبير من الكتابة العلمية أو الأدبية، مُعزّزة بالصور والرسوم والبيانات والكاريكاتير، والقصة في الصحافة المتأنية تأخذ طابع السرد الطويل دون إسهاب، ولا تتجاوز أكثر من 5 آلاف كلمة كحد أقصى طبقًا لطبيعة الموضوع، وهناك من وصفها بأنّها مجلة بطيئة جدًا أو كتاب تاريخ سريع.

3- النوع: اختيار موضوعات وقصص غير تقليدية ومهمة تُحدِث صدى عند النشر، موجهة إلى الأفراد في المجتمع وتخاطبهم، تحيطهم علمًا بما يجري في مختلف المجالات وتحمل قيم ومبادئ إنسانية، وهي على عكس ما نراه اليوم في بعض وسائل الإعلام التي تبحث عن الكم بدلًا عن النوع، فتنشر الكثير من الأخبار دون إحاطة القارئ بالتفاصيل المهمة والجوهرية.

4- التقصي: يعد من أهم الأسس، وهو البحث في ثنايا الأحداث والغوص في أعماقها للوصول إلى الحقيقة المجردة وتقديمها بكل شجاعة واستقلالية، والتقصي لا يقتصر على الموضوعات الخطيرة والقضايا الحساسة فقط، بل يمتد ويشمل كل أنواع الموضوعات.

5- الوظيفة: أن تؤدي وظيفة الشرح والتفسير أولًا، فالصحافة البطيئة تسأل (لماذا؟) أكثر من أي نوع صحافي آخر وتُخبِر القارئ نهاية القصة، ثم ينبغي أن تؤدي الوظائف الأخرى كالتثقيف والتعليم والإرشاد والترفيه، لأنَّ الصحافة الحقيقية هي التي تُعطي للناس بدل الأخذ منهم.

6- الشمول: تتميز الصحافة المتأنية بالشمول، تناقش السياسة والرياضة والفن في قصة واحدة وتربط بين الاحداث بطريقة لا تفقد فيها صلب الموضوع ولا تذهب بالقارئ بعيدًا.

7- التعاون أو المشاركة: تعمل الصحافة المتأنية على تحويل الجمهور إلى شركاء في القصة وتشجعهم على الاستجابة والمساهمة في إنتاجها، وتتطلب من الصحافي معايشة الحدث للإجابة عن سؤال (لماذا؟ وكيف؟) هناك قصص انخرط فيها الصحافيون مع أبطالها وعاشوا معهم لأشهر وأعوام، أبرزها قصة الرحلة التي تتبعت آثار مسارات هجرة البشر من أفريقيا إلى آسيا للصحافي (Paul Salopek) المنشورة في مجلة (National Geographic)، وقصة الصحافية (Alegra Ally) التي وثقت حياة الناس في القطب الشمالي والتحديات التي تواجههم بسبب التغير المناخي.

8- الإيجابية: تبتعد الصحافة المتأنية عن السلبية والإحباط والاكتئاب، وتميل إلى الإيجابية والتفاؤل وبث الأمل، وتبحث دائمًا عن انتصار الروح حتى في تلك القصص التي تنتهي بمأساة، وهو ما يُميزها ويجعلها تختلف عما نراه ونشاهده في وسائل الإعلام من صور ومشاهد مروعة ومرعبة، تخلق لدينا صور سلبية معظمها تكون خاطئة عن الأحداث والأشخاص والأماكن.

جوهرها وأهميتها

تستهدف حركة الصحافة البطيئة استعادة ثقة القارئ بالأخبار نتيجة للفجوة التي نشأت تدريجيًا وأحدثتها مواقع التواصل الاجتماعي وما يُنشر تحت اسم الأخبار العاجلة بصورة غير دقيقة دون التأكد من صحة ما يرد فيها من معلومات، كما تحاول أيضًا الترويج لفكرة التخلي عن دورة الأخبار العاجلة في المؤسسات الإعلامية، وقد حدث هذا مع صحيفة (The Times) البريطانية التي تخلت عن دورة الأخبار العاجلة عبر منصاتها الرقمية، وأخذت تنشر تقارير ومقالات ذات طابع مختلف، وقد أظهر التقرير السنوي نجاح هذه الخطة، إذ ارتفعت نسبة قراءة الموضوعات والمقالات المنشورة عبر تطبيق الهاتف إلى 300%، ونسبة زوار الموقع إلى 110%، حتى إنَّ مبيعات النسخة الورقية شهدت نموًا وصل إلى 9.5%.

في عام 2011م أصدر مجموعة من الصحافيين المستقلين في بريطانيا مجلة مطبوعة فصلية تحمل اسم الرضا أو الإشباع المتأخر (Delayed Gratification)، في ذلك الوقت الذي كان الناس يراهنون فيه على موت الصحف والمجلات الورقية، جاءت هذه المجلة لتقدم قصص متأنية وقد حظت فعليًا باهتمام القراء في بريطانيا لما قدمته من موضوعات بجودة فريدة تميزت بتغطية أحداث ثلاثة أشهر، لتصدر بعد ثلاثة أشهر أخرى، مقدمة بذلك مجموعة من المقالات والقصص التي سلطت الضوء على الأحداث من منظور مختلف تمامًا عما كان يُنشر ويُعرض عبر وسائل الإعلام، كان الهدف الرئيس من إصدار هذه المجلة هو إيجاد حل لعاصفة الأخبار العاجلة كما وصفها أحد محرري المجلة، إلى جانب تغطية تلك الأحداث التي لم تحظ باهتمام وسائل الإعلام، والتي غالبًا ما تكون مهمة، لكنها لا تتفق مع سياسة المؤسسة الإعلامية وطبيعة النظام السائد فيها.

المستقبل والتحديات

تواجه الصحافة البطيئة تحديات عديدة، كونها لا تزال في مراحل مبكرة وغير اضحة بالنسبة للكثير من الصحافيين حول العالم، أبرز تلك التحديات – أو المعوقات – هي طبيعة الأنظمة الإعلامية السائدة في معظم مؤسسات الإعلام ووسائله والتي تبحث وتركز دائمًا على السرعة في نقل الحدث، ولا تُعطي أي فرص للتأني والتباطؤ في عملية نشر الأخبار، وهناك العديد من الوسائل الإعلامية التي تقيس مستويات النجاح والتأثير عبر السرعة في الحصول على المعلومة وإحاطة الجمهور بها.

التمويل يمثل تحدي آخر تواجهه الصحافة المتأنية، فهي حتى الآن تعتمد على المنح من جهات ومنظمات غير ربحية، إلى جانب التمويل الفردي من صحافيين وأكاديميين يدعمون هذا النوع ويشجعونه، والواقع إنَّ الصحافة المتأنية تحتاج إلى نفقات تكاد تكون كبيرة؛ لأنَّ الصحافي غالبًا ما يذهب إلى مكان الحدث، ويتعايش مع من فيه، ليفهم بشكل أكبر ما الذي حصل وكيف حصل، وهذا بحد ذاته يتطلب تكاليف مادية قد لا تستطيع كثير من مؤسسات الإعلام تغطيتها.

إنَّ الصحافة البطيئة – كحركة – تجد دعمًا قويًا من الصحافيين المستقلين والأكاديميين المتخصصين في مجال الإعلام؛ لأنَّ السرعة في نقل الأحداث أدت إلى انتشار الشائعات والأخبار الكاذبة والمضللة، وفقدان للموضوعية والدقة والمهنية، حتى أخذت العديد من وسائل الإعلام نشر الأخبار بأسلوب غير حرفي يُسيء للصحافة كمهنة نبيلة تخدم المجتمع وأفراده.

إن أردنا دعم الصحافة البطيئة يجب أن نبدأ من المؤسسات الأكاديمية، عبر تسليط الضوء عليها في المؤتمرات والندوات وورش العمل والبحوث العلمية، ثم تدريجيًا نبدأ بتدريب صحافيين يمتلكون الموهبة والقدرة على إنجاز هذا النوع من المشاريع.

من وجهة نظري، ينبغي على وسائل الإعلام، ومدراء تحرير الأخبار إعطاء الفرصة لهذا النوع الصحفي الجديد، ووضعه قيد التجربة، وتكليف صحافي أو أكثر من الماهرين والمبدعين في اختيار موضوع والعمل عليه كقصة متأنية ومن ثم قياس رد فعل جمهور.
الوسيلة – أيًا كان نوعها، صحيفة، مجلة، موقع إخباري أو غير ذلك – إزاء هذه القصة، شرط أن تكون من القصص المهمة والمشوقة، تحمل في مضامينها ما يخاطب الفكر والمشاعر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد