مناطق سكنية نشأت على تخوم المدن، غالبًا في أراضي زراعية غير مسموح البناء عليها بدون تصريح أو تخطيط. متدنية المواصفات العمرانية والإنشائية والمعمارية والبيئية. شوارعها ضيقة لا تسمح بسيولة الحركة، كثافتها البنائية عالية تمنع الإضاءة والتهوية الطبيعية والعزل الصوتي. جيدة كمبان، وخَربة كطريقة إنشاء في أغلب الأحيان. فقيرة كتصميم وكمظهر معماري، وفقيرة كخدمات ومرافق، ولا توازن بين ما هو مكشوف وما هو مبني، ولا مكان لحديقة أو أية مساحة خضراء أو أماكن ترفيهية. مما يجعل تلك المناطق وبحق «تابوتًا للنفس» محبطة للسكان ومحركة لسخطهم وعاملًا أساسيًا يدفعهم للهروب من واقعهم المرير إلى ماضٍ سحيق أو إلى نموذج ميثولوجي مثالي في عالم آخر.

هكذا يُعرِف المعهد الفرنسي للأبحاث من أجل التنمية (IRD) العشوائيات في مصر، التي أصبحت تؤم أكثر من 17 مليون فرد مع استجابتها لأي احتياج بشري جديد: فهي مخصصة للشرائح الوسطى والدنيا ذات الترقي المحاصر أو الانهيار البادئ.

العشوائية خِطة بلا خُطة

وفقًا للنظرية العامة للتخطيط التي وضعها المهندس الإسباني «أيدلفينسو سيردا» (Idelfenso Cerda) عام 1845، تم تعريف التخطيط العمراني كالتالي «هو مجموعة من العمليات التي تؤدي إلى تجميع المباني وتنظيم وظائفها طبقًا لمجموعة من المفاهيم والمبادئ والقوانين تنحو عن قهر الملكات الذهنية والفكرية والأخلاقية لأفراد المجتمع وتطمح إلى المساهمة في نموها وتعظيم نوعية الحياة وسعادة الإنسان».

وقد تناول المهندس المعماري «ليون باتيستا ألبرتي» (Leon Batista Alberti) التخطيط العمراني على خلفية أن «المدينة المخططة هي الراحة والجمال، وراحة الإنسان مرتبطة من جانب بتحقيق قدر مقبول من نوعية الحياة أي مسكن صحي لائق في محيط عمراني منظم ومتجانس يتوافق مع المحيط البيئي وتتحقق فيه الشروط الجمالية والاجتماعية والاقتصادية لتطور وتحرر الإنسان». تكمن هنا أولى التناقضات بين التخطيط والعشوائية.

إذا تأملنا رؤية القاص «عبد الحكيم قاسم» في روايته «قدر الغرف المقبضة»، نجده يتساءل حول منطق امرأة فقيرة تحكي له عن بيتها التي تقوم ببنائه. هنا سيكون السلم، وهنا غرفة أخرى وهكذا… لم يكن يستطيع أن يتصور كيف يمكن أن يكون هنا بيت. لكن المرأة تؤكد له ذلك. تنبش الخطوط بقشة في طين الأرض. ترسم الجدران وتربع الغرف ويتشكل البيت في نهاية الأمر. ثم بدأ في وصف تصور المرأة باعتباره تصورًا قبيحًا، مبتذلًا، ومتكررًا في عشرات البيوت الصغيرة ذات الدور الواحد في هذه الحارة. وهو تصور غير مبتدع، بل منقول، وسينقل بعد ذلك مائة مرة، في تكرار قاتل ممض.

فهذا التخطيط المكاني المرسوم بقشة على طين الأرض. وإذ يلبي احتياجًا للإيواء فهو لا يحقق أية راحة لرداءته وقبحه وتكراره ناهينا عن تطور ملكات الإنسان. هذا وتتفق رؤية المعماري المصري (عصام صفي الدين) مع رؤية (عبدالحكيم قاسم)، إلا أنه يبدأ بتعريف التخطيط العشوائي على أنه خِطة (بكسر الخاء) للتعبير عن الاختطاط المكاني والحجمي بلا خُطة (بضم الخاء) للتعبير عن عقد الأمر والفكر والتصرف في شئ ما. ويقول عن خصائص الظاهرة من خلال التعرف البصري عليها بصفة عامة «إنها أماكن جيدة وخربة في آن واحد، جيدة كمبانٍ وخربة كطريقة إنشاء في أغلب الأحيان». فما الذي جعل القاهرة مدينة بلا مقاييس؟

القاهرة: مدينة بلا مقاييس

تعرف القاهرة باسم (مصر) وهو نفس الاسم الذي يطلق في اللغة العربية على الوطن نفسه. ويعيش ربع سكان مصر كلها داخل نطاق العاصمة. ويمثل إجمالي سكان القاهرة أكثر من أربع مرات سكان ثاني المدن الكبرى (الإسكندرية)،  أي نصف سكان الحضر، وحوالي ثلاثة أرباع سكان المدن الست الكبرى التي يزيد عدد سكانها على 200 ألف نسمة. وتمثل القاهرة التجمع الصناعي الرئيس في مصر (إذ يوجد بها 45% من المنشآت الصناعية، التي يعمل بها أكثر من 40% من القوة العاملة). كما يتركز فيها أكثر من نصف الأنشطة التجارية والثقافية ومرافق الخدمات. ولقد ترتب على هذا الوضع أن أصبحت القاهرة أول ملتقى للنزوح الريفي، إذ إنها امتصت حوالي 60% من إجمالي المهاجرين الريفيين في الفترة ما بين 1960 و1966 ويصل عدد المهاجرين الذين تستقبلهم القاهرة في الوقت الحاضر إلى ألف مهاجر يوميًا.

وقد تأكد الخلل الموجود بين القاهرة وبقية أنحاء البلاد نتيجة غياب تحقيق تنوع في شبكة المواصلات، إذ إن كل خطوط السكك الحديدية التي تربط الجنوب بالشمال تتلاقى كلها في المحطة المركزية، المعروفة باسم محطة مصر وموقعها في رمسيس. بل إن الشبكة البرية نفسها تنطلق من تخوم نفس المنطقة. وبالتالي أصبحت العاصمة من حيث هي نقطة محورية للانتقال إلى أية منطقة أخرى، أول نقطة جذب للمهاجرين الريفيين القادمين من مدن الأقاليم.

ولما كانت هذه الهجرة لا تشكل استجابة للطلب على الأيدي العاملة، بل استجابة لمحاولة البحث عن مخرج حيوي في وسط أكثر تنوعًا: فإن عملية الهجرة لا تستطيع إلا أن تكون عملية تراكمية وغير متوازنة. لذلك نتجت عنها حقيقتان متناقضتان:

أولًا: نشأة استثمارات ضخمة بغية توفير البنية الأساسية، وخلق وظائف، وتشييد للمباني. ومع ذلك، تظل هذه الاستثمارات بصورة دائمة غير كافية بالنظر إلى أن النمو الحضري والتخطيط العمراني ما فنآ في حالة سباق مستمر.

ثانيًا: خلل في كل المرافق الحضرية، ويتمثل ذلك في: اكتظاظ وسائل النقل العام، وزحمة حركة المرور، والانفجار المستمر للصرف الصحي، وانقطاع المياه والكهرباء والتكدس في المدارس والجامعات مع انخفاض مستوى الكفاءة التعليمية كنتيجة طبيعية لذلك.

وفي هذا السياق فإن المدينة الأم تصبح كوحش لا ضرورة له وهوة بلا قرار تبتلع موارد الوطن. وعلى هذا النحو، فإن تكلفة تجديد شبكة المجاري المثقلة بخمسة أضعاف طاقتها الأساسية، تبلغ ملياري دولار حصلت عليهما مصر في شكل قرض من الولايات المتحدة الأمريكية واليابان وإنجلترا. ويمثل هذا المبلغ قيمة دخل مصر من صادراتها من البترول في عام واحد. كما أنه يترتب على تدخل السلطات الرسمية في التنظيم العمراني، بالرغم من ضرورته، زيادة كفاءة العاصمة على استقبال المهاجرين، الأمر الذي كانت نتيجته جذب أعداد جديدة منهم. وبالتالي يشكل التزايد الديمغرافي عاملًا آخر في هذه الإشكالية.

وقد قال (جمال حمدان) أحد أعلام علم الجغرافيا في مصر عن ظاهرة التكدس السكاني في القاهرة «فلا جدال أن الدولة المركزية والمركزية العارمة ملمح ملح وظاهرة جوهرية في شخصية مصر. فبقوة المركزية الجغرافية والوحدة الوظيفية وطبيعة الري في البيئة الفيضية، وبرغم الامتداد الطولي الخطي الجسيم، فرضت المركزية السياسية والإدارية، ثم الحضارية نفسها فرضًا في شكل حكومة طاغية الدور فائقة الخطر وبيروقراطية متضخمة متوسعة أبدًا وعاصمة كبرى صاعدة أعلى صاروخيًا وشامخة فوق البلد غالبًا. يصدق هذا من الفرعونية حتى اليوم وبلا استثناء تقريبًا».

نمو عمراني يصيب بالدوار

تضاعف عدد السكان الحضريين في مصر ثلاث مرات في الفترة مابين 1947 و1977: إذ تزايد هذا العدد من 6.2 إلى 17 مليون نسمة وصولًا إلى 45 مليون نسمة في عام 2000. وإذ اعتبر النمو الحضري في مصر عاليًا فإنه في القاهرة خارق للعادة. الأمر الذي جعل «الدكتورة جليلة القاضي» تقول «أن النمو العمراني أو الحضري في مصر يصيب بالدوران». فما الذي يجعل ذلك النمو يصيبنا بالدوران؟

في دراسة بعنوان «الحراك الاجتماعي وتوزيع الدخل». تم عرضها في مؤتمر برشلونة، 1979. من إعداد «سعد الدين إبراهيم». استهدفت عينة عشوائية قدرها 320 أسرة تعيش في مناطق مختلفة من القاهرة الكبرى. وجد أن 45% من هذه العينة في مستوى أدنى من خط الفقر.

وكانت نتيجة الدراسة التي قام بها (ES. Parsons)، وشملت تسعة أقسام في العاصمة تفتقر إلى مياه الشرب. غطت شريحة بلغت 1100 أسرة تمثل 1% من الأسر التي تسكن هذه الأقسام، أي 650 ألف نسمة. أن نسبة السكان الذين يعيشون في مستوى أدنى من خط الفقر تصل إلى 55%.

ووفقًا للتحقيق الذي قام به المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، عام 1979 على ست مناطق قسمت أراضيها وتم تسويقها بشكل غير رسمي في منطقة حلوان. وشمل التحقيق 90 ألف شخص يمثلون 11 ألف أسرة تعيش في مناطق الإسكان العشوائي المحيطة بالمنطقة الصناعية في حلوان وفي المساكن الشعبية التي بنتها الدولة. وجد أن نسبة السكان الذين يقعون في مستوى أدنى من حد الفقر تصل إلى 65%..

دوار يخلفه الرغبة في التحضر يصاحبه ارتفاع نسب الفقر واليأس. الأمر الذي يدفعنا لتكرار كلمات جمال حمدان عن المركزية «خلفت حكومة طاغية الدور فائقة الخطر وبيروقراطية متضخمة متوسعة أبدًا».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد