هناك رجل يعيش في إحدى قرى مصر، يعول أسرته الفقيرة، قرر ذلك الصباح أن يرحل إلى العاصمة من أجل أن يحيا حياة كريمة، وتحيا معه أسرته، وهناك فلاحة مكسيكية كانت قد قررت في نفس تلك الساعة أن تهجر ريوجراندي وتسافر إلى أمريكا لتقيم بمقاطعة هيدالجو بولاية تكساس هربًا من الجوع السافر، وهناك رجل باكستاني عنيد لم يذق شيئًا منذ يومين قرر هو الآخر أن يحزم شتاته ويصعد فوق تلال كابول، وأخيرًا قررت أسرة أفغانية كاملة في تلك الساعة العريضة أن ترحل من وجه الشمال الأفغاني فرارًا من حركة طالبان الدامية ليقيموا في ولاية كارته أرينا، هكذا أصبحت العشوائيات، حيث يعيش فقراء العالم المتحضر!

وحينما تأتي العشوائيات فإنها لا تأتي من رحم العدم؛ بل جائت من رحم الحروب والبطش والإهمال وعدوان الإنسان على الإنسان.

ففي كولومبيا نزح أكثر من 400,000 نسمة لمدينة بوجوتا لتصبح المدينة جحيمًا مكتظًا ببنيان بشري هائل لا يتنفس، ففي عام 2002 صدر بيان كئيب من إحدى المنظمات غير الحكومية في مجال الإغاثة إلى أن هناك 653,800 من سكان المدينة أصبحوا بلا عمل، نصفهم من الشباب!
وفي السودان فقد أدت المجاعة بسبب الحرب الأهلية الفادحة إلى نزوح أكثر من 400,000 سوداني إلى أربعة معسكرات على أطراف الخرطوم، يعيشون بلا حياة، ويتكدسون كالأنعام، كان يمكن أن يظل هؤلاء النازحون في بيوتهم كما كانوا دون أن تختنق العاصمة لكنها الحرب الأهلية، وجريمة الإنسان.
وهناك في اليونان حيث يمكن لمن يعبر بمدينة كالي أن يرى بحسرة كم هول فاجعة العشوائيات المترامية على أطراف المدينة، فهناك اثنان من أخطر عشوائيات العالم، وهي نافارو حيث النساء والأطفال في بحث دوؤب عن الطعام وسط النفايات المتراكمة، وأما الأخرى فهي كارلوس ألفريدو دياز، وهناك الجوع هو أبرز معالمها إلى جانب الشباب المسلح على الدوام.
في أنجولا وتحديدًا منذ عام 1975، وقد استعر وطيس الحرب الأهلية حتى أزاحت ما يقرب من 30% من السكان المحليين، وألقت بهم على أطراف مدينة لواندا ولوبيتو، كانت أنجولا بلدًا ريفيًّا قبل أن تضع الحرب الأهلية أوزارها، وكانت نسبة الحضر لا تتعدى 14% من إجمالي السكان. أصبحت الآن أمة حضرية، ريفها مدمر ومحفوف بالمخاطر، حتى أن عام 1998 وصل السوء بأنجولا إلى أنها كانت تنفق على التعليم والرفاهية العامة ما يقرب من 1% فقط من موازنة الدولة!
وغير تلك المدن مدن أخرى اجتاحتها العشوائيات بضراوة، وهجر الناس الريف ليتزاحموا في المدن كقطيع لا ينتهي، وفقدت المدن البراقة زينتها أما ذلك الزخم البشري الهائل المتكدس على أطراف المدن، ولم يتوقف عدوان العشوائيات عند هذا الحد؛ بل التهمت مباني وقصور القرون البائدة حتى الفيلات الفيكتورية الباقية على أطراف المدن أصبحت ملاذًا للاجئين القادمين من الريف، لقد زار المعماري الشهير «ديفيد جلاسر» إحدى الفيلات التي كانت مملوكة سابقًا لأسرة واحدة يقول «كانت الفيلا تحتوي على 25 أسرة و 128 شخصًا بلا أي خدمات».

وبلا أي توقف أو هوادة ستشتعل أعداد العشوائيات عبر العالم في اضطراد باهظ، إذ إن هناك أكثر من 200,000 حي عشوائي ويزيد، فضلًا عن أن أعداد الحي الواحد تتزايد بضراوة مدهشة، ففي منطقة سيداد نيزا في ميكسيكو سيتي كانت تلك الضاحية المعدمة تحتوي على 100,000 شخص عام 1975، أصبحت الآن تضم أكثر من ثلاثة ملايين نسمة!

وقريبًا ومن غير شك ستنتقل العشوائيات من أطراف المدن إلى داخلها، كما انتقلت من قبل من الريف إلى الحضر، فهناك في لوس أنجلوس – العاصمة الأولى لمن هم بلا مأوى- يعيش أكثر من 100,000 بلا مأوى في الشوارع، وفي الحدائق، وعلى جنبات الطريق، وفي بحث تم في مومباي تبين أن من بين أعداد هائلة من قاطني الأرصفة أن من بين كل 97% منهم واحدا فقط هو من كاسبي العيش لكن حتي هؤلاء ممن يسكنون الأرصفة وفي بعض المدن فإنهم يدفعون ضرائب جراء مسكنهم العاري.

إن المدن العظيمة على هذا الكوكب وإن بنيت يومًا من الزجاج فعلى جوانبها العشرات مثلها ستبنى من الصفيح!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد