لا أخفي إعجابي يوما بالكاتب, روائيا أو سينمائيا؛ فهو من يمتلك قوة الرب في خلق شخصية من عدم وخلق سياق كامل يجعل الحياة ككل تتمحور حول تلك الشخصية وحدها, بينما كل الشخصيات الأخرى هوامش لا تتبدى إلا بمقدار ما يخدم بروز هواجس تلك الشخصية وإكمال حكايتها التي لا تستطيع إكمالها وحدها.

قد تسير يوما في شوارع الكيت كات وحواريها، وقد يدخل في كادر رؤيتك بشكل عفوي رجل كفيف يسير مدندنًا ومبتسمًا, لن تحتفظ الذاكرة بتفاصيل هذا الرجل لأكثر من ثانيتين لكن السينما قادرة على استدعاء الرجل من أقصى الهامش في كادر الحياة اليومية للصدارة, فيأسرك الشيخ حسني بذكائه الحاد الذي يجعله يرى عورات البشر بعقله وتوقه للحرية وأن “يركب حصان خياله” كما دندن وهو يسير بجوارك حتى لو دفعه هذا يوما لركوب دراجة بخارية بأقصى سرعة, يقول “علي عزت بيجوفيتش” أن الأدب والسينما لا تبرز الشخصية حسب مهنتها أو مكانتها الاجتماعية ولكن الكاتب يبرز العالم الداخلي للبطل والقضية التي يحملها, هكذا يمكن أن تجد الأجير والفقير هما أبطال رواية بينما ينسحب الوزير والغني للهامش حيث الأدوار الثانوية.

لا يعرف الكاتب لغة الأبيض والأسود التي تطبع تفكيرنا حيث اللص أسود والقاتل أسود يقابله القديس الأبيض, فالشخصيات في الرواية والسينما رمادية, تسحبك لعالمها الداخلي حتى تنسل أحكامك المسبقة من عقلك خلسة ولا تشعر حتى بسقوطها خلفك، وترتبك بوصلة أحكامك وكتالوج الأسود والأبيض أمام عالم كامل لإنسان مفعم بالآثام والحسنات والشهوة والعفة وبنقائض قد تسوقك للجنون, في الأدب يجبرك دستويفسكي أن تتعاطف مع مريض الصرع قبيح الخلقة ومع فتى سكير طائش ومع مقامر ومع أبله, لأنه يقودك لأرواحهم الداخلية, وفي السينما ستجد قصة البيه البواب وعجوز الكيت كات والبريء المجند والمنسي عامل التحويلة, وكلها شخصيات يدفعها الواقع اليومي للهامش, وربما تجاورها لسنوات ولا تقف لدقائق لتتفرس وجه بواب البناية، أو دفعة يقف معتدلا بكشك الحراسة، أو عجوزًا كفيفًا يدندن بمقهى..

لما تطالع القصة أو الفيلم ستجد أن بعض هؤلاء عوالمهم الداخلية وأرواحهم أثرى بكثير من عالمك, قد يحملون من الألم أو الحب أضعاف ما تحمل, قد تجد أن عالمك بالنسبة لهم ضامر وأنك قد تكون الجدير بمكانك في الهامش, لكن المقاييس المادية والظاهر وآلية الحياة اليومية التي تطبع العين بالاعتياد لكل شيء وتجعل الشخوص ديكورًا للقطات يومية يتخذون فيها أدوارًا ثانوية مكدسة كيفما اتفق, ركاب أو مارة أو زملاء بمصعد أو حانة أو طابور مصلين, مجرد لقطات تومض وتمضي كنظرتك للطريق من قطار مسرع.

المعاناة النفسية لشخوص شكسبير ودستويفسكي عظيمة حتى قيل أن سكون هاملت وحده مليء بالأحداث لكنها جوانية صامتة. المثير أن يكون أحدهم يعيش معركة بأركان روحه بقوة المعارك التي عاشتها تلك الشخوص, ماذا لو كان هاملت جارك أو كان آل كارامازوف يسكنون في الشارع الخلفي, قد يكون أحد المارين جوارك يحمل طبقات حقد متراكم تفوق هتلر لكنه لم يقابل اختباره وفرصته التي ستجلي سريرته, قد يكون أحدهم دون كيشوت خاسرًا يحارب طواحين الهواء, عبثا لن تدرك قلبه الذي يحمل طهر قديس وعقله المتألم واللاعن لعصر ليس عصره.

تحدث الرسول صلى الله عليه وسلم عن رجل أشعث أغبر ينفر منه الناس لكن داخله روحًا لو أقسمت على الله لأبرها, وحدثنا الصوفية عن دراويش بينهم وبين الله ما يزن إيمان مئات الغافلين رغم ثيابهم الرثة وأماكنهم على قارعة الطرقات وهوامش اللقطات.

لهذا السبب أرى دومًا في الكاتب قبسًا غير أرضي, نورانيًّا ربما أو شيطانيًّا كما دأب الأقدمون على تسمية الشاعر بأنه يتلقى عن شيطان, لكن أبدا تلك القدرة على استنطاق الأرواح وسحب شخوص الهوامش وتحويلهم لأبطال في سطور، ومنح عوالمهم نبضًا يأسرنا فنتخلى عن مقاييسنا المادية ونتابع قصة بطل أشعث أغبر، ونزنه بما يحمله قلبه وعالمه وليس جسده وصورته, لو نظر الناس لبعضهم كما ينظر الكاتب لشخوصه ويبرزها, ربما انقلبت المقاييس بالكلية وانسحبت شخوص للهوامش وتصدرت شخوص بؤرة المركز.

سلاما على ساكني الهوامش, على عوالم نابضة بالصراع بين القداسة والدنس, على أرواح بنبالة دون كيشوت وسفالة كاليجولا، وتضاد لا ينتهي يحتبس ضجيجه خلف وجه باسم أو مرهق تقابله في المواصلات العامة أو طوابير الخبز أو مارًّا بجوارك, سلاما على من أدرك فداحة النظر بالأبيض والأسود، وترك أحكامه المسبقة تنسل من عقله، وأحنى رأسه في خشوع لجهله وقصور حواسه عن إدراك المعارك الداخلية الطاحنة بداخل كل من يراهم، ولم يرتكب يوما خطيئة الحكم على الظاهر..

ربما لا نملك موهبة الكتابة لنبرز الشخوص كما يجب، ونجعل روح الأشعث والأغبر تتحدث بدلا عن هيئته, لكننا نملك الإيمان بمنطق المسيح النبيل أن من كان منا بلا خطيئة فليرم حجره, من كان منا بلا حيرة ومعركة جوانية وآثام وقداسات ونقائض تتصارع في آن فليلقِ حكمه المسبق بعزم فريسي مؤمن على زانية, وإن لم يكن, فليكن التقدير ويمعن البصر ولو لوهلة أكثر في كل كادرات الرؤية وكل سكان الهوامش.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد