تركيا هي آسيا الصغرى والكيان الصغير الذي يهددها هو الكيان الكردي الانفصالي ذو الكانتونين اللذيْن يتمددان ويتمددان إلى أن يلتقيا.

ألقيت نطف الكانتون الجنيني الأول في عدة أماكن في شمال شرق وشمال وسط سورية في القامشلي وعامودا وعين العرب وما حولها، وألقيت نطف الكانتون الثاني في أقصى شمال غرب سورية في عفرين وما حولها، فتخصبت بويضات حزبية شوفينية انشطارية… بويضات تنشطت وتحفزت في مختبرات عالمية مخابراتية تحتية مشهورة، واستخدم أشهر خبراء التنشيط عقاقير هرمونية وكيمياوية قوية جدا، وهي تستخدم لأول مرة في التطبيق الإنساني بعد أن كانت عقاقير تجرب على الفئران…

وحرص خبراء التخصيب على تمهيد الوسط الحاضن وأجوائه فساعدوا ودعموا استئصال كل العناصر الطبيعية السليمة الفطرية في الأوساط الحاضنة ليخلوا الجو للعلقة الخبيثة لتلتصق وتثبت وتتكاثر وتكبر وتمتد… هذا بالضبط ما يحصل في المناطق الكردية في كلا الجانبين من الشريط السوري الملاصق لكل الحدود التركية الجنوبية… فحزب الاتحاد الديمقراطي مع أحزاب صغيرة أخرى شكلوا كانتونين شرقيًّا وغربيًّا، ويتوسع كل كيان غربا وشرقا بسرعة ونشاط بنية الالتقاء والتكامل والانفصال بإعلان فيدرالي في البداية ثم بإعلان استقلال تام يكون فيه الموت الزؤام لتركيا التي حيرت قيادتها الغرب المتوحش كيف ينهشها أو يعزلها.

أميركا سلَّحت ودربت ومولت الأحزاب الكردية وأيقنت أن هذه الأحزاب حليف لا يوالي في المنطقة أحدًا سواها، وقالها عرابون أكراد مشهورون منذ حين: لا صديق لنا إلا الجبال وأميركا… ولن تتخلى أميركا عن هذه الأحزاب حتى تستخدمهم  وتربح من توظيفهم مئات أضعاف ما صرفت عليهم… ولم تعترض أميركا أبدا على الدور الروسي الداعم لهم وعلى الاعتراف بهم وفتح أول ممثلية لكيانهم في موسكو… ففي الحسابات الأميركية الشراكات النافعة مطلوبة لجلب جهود الشريك وتحميله بعض التبعات واللوم حين يزداد رد الفعل التركي.

الكانتونان إذا التقيا سيكون هناك حزام نار جنوب تركيا يستنزفها ويهدد نهضتها ووحدة أراضيها. كيان يضمر العداء اللازم لتركيا وذو صلات وجذور وامتدادات داخل تركيا، وبعمق لا ينحصر في جنوب شرق تركيا بل يصل إلى إستنبول وأنقرة حيث الوجود السكاني الكردي ممتدا أو متناثرا… وجود كردي يشكل وسطا إذا لعب به العابثون الخبراء فستمتد خطوط النار من الحزام الناري الجنوبي إلى كل مكان في تركيا.

وإنشاء كيانات استنزافية سرطانية سنة معهودة في السياسة الأمريكية، ومن المدهش أن تكون هذه الكيانات المحفزة وذات الرعاية الأمريكية جنوبية… كيان جنوبي يستنزف الكيان الأساسي الشمالي.

كوريا الجنوبية استنزفت وأفقرت الكيان الأساسي الشمالي وأوصلته للمجاعة. هونغ كونغ وتايوان كيانان استنزفا الصين ولم تتخلص الصين من إيذائهما إلا بالارتماء في حضن الرعاية الأميركية…

وربما أحس “هو تشي مِنْه” القائد التاريخي لفيتنام بهذا التدبير الأميركي وهو على فراش الموت عام 1969 فأخذ من القادة جميعهم عهدًا أن يستمروا في الحرب حتى إجلاء آخر جندي أميركي وأن يزيلوا كيان فيتنام الجنوبية من الخريطة بعد أن استمر هذا الكيان دولة معترف بها في الأمم المتحدة لست سنوات كاملة… واليوم فيتنام دولة متماسكة وذات اقتصاد ليس بالسيء على الإطلاق.

الأتراك يعرفون النوايا الأميركية ولن ينفع منهم أن يستمروا اليوم في سياسة التصريحات التي تتجاوز الفعل بأشواط وأضعاف. فلن ينفع مع أميركا أن يقول الساسة الأتراك لها: اختاروا ما بين تركيا أو حزب الاتحاد الكردي… العبور إلى غرب الفرات خط أحمر… ولن نسمح في حلب أن تتمدد الأحزاب الكردية… ولا يمكن السكوت… وأشياء أخرى.

لقد أعلنت الإدارة الأميركية أنها لن تتخلى عن الكانتون الكردي ومؤسسيه، وعبر مسلحو الأحزاب الكردية إلى غرب الفرات، ويقتربون بجرأة من المنافذ إلى حلب ويتجرؤون بتصريحاتهم على الدولة التركية… جرأة لم تكن لهم لولا الإذن الأميركي وربما التحريض الأميركي.

ألم يأن لتركيا أن تعي أن كل مراهناتها على أميركا وأوروبا ومن يتبعهما رهانات خاسرة ولن ينفعها إلا أن تسارع  لتتفاهم مع الثوار السوريين وأن تنفذ خطة حشد وتدريب وإشراف… خطة عميقة وشاملة ومضمونة… خطة تكون تركيا فيها خلف ستار… خطة يتوهم البعض أن تركيا حاولت فيها بالدرجة المطلوبة ولكن ذلك لم يحصل، ولو حصل لتغير مستقبل المنطقة إلى سيناريوهات آمنة مطمئنة بعيدة عن الإرادات الخبيثة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الأكراد, تركيا
عرض التعليقات
تحميل المزيد