(1)

أتدري، لم تعد الروح قادرة على كلِّ هذا الأسى، وأصبحت لا أحتمل البكاء، مُلتزم الصمت، مُنهزم.

الرأس مكسور طول الوقت، والظهر محنيّ من الأعباء، والقلب مُثقل ببضاعاتٍ أتلفها الوجع، كثير الشكوى، قليل الكلام، عديم النفع لمن تبحث عن حبيبٍ أو تلتمس العطف.

 

أتدري، أفسدوا حلاوة كلّ شيء، حتى البدايات السعيدة صارت محط انتظار لنهايات مرهقة، حزينة، وبابًا للبؤس.

 

أفقد الاتزان، وأنتصب أمام المارة كذبًا. أبوح بالحب مرةً، وأمتلئ بالكراهيّة عشرة، لأخسر كلّ العزم في ثوانٍ دون أن أنتقم.

لم يعد الثبات شعارًا فلا داعي للاستمرار بعد أن نَفَدَت كلّ خزائن أسلحتك دون أن تُصيب القتلى، حتى رصاصتك الوحيدة المتبقيّة لم تعد سوى حلك المؤجل للخلاص من كلِّ هؤلاء الحمقى، فاحتفظ بها ليومٍ قريبٍ تُخيّر فيه بين الموت كمدًا أو العيش أسفًا على جرائم لم ترتكبها إلا بفعل الأمل.

(2)

“يا ولاد الكلب”.

صرخة سواق الأتوبيس في وجه الحرامي بينما يوجه له لكمات عنيفة متتالية.

 

(3)

الوجع يا عزيزتي، الوجع.

كيف يَسْكن كل هذا الحزن قلبًا شابًا كان من الأولى أن يمتلئ بالحب!

كيف استبدلنا أحلامنا الخضراء بحديث يومي عن الموت والألم وأوجاع مخاض التجارب الفاشيّة على أجسادنا كفئران المعامل!

 

مرهقة النهايات المؤجلة ليومٍ غير معلوم. ساعة انتظار الانتقام بقرون، وأوان القصاص يستنزف القلوب والأرواح ليتضاعف ميزان المدفوعات دون حساب أو محاسبة، بينما أيامنا الورديّة – كما كنّا نُخطط – تحتضر خوفـًا وذلاً.

 

(4)

“خلاص يا بكر، زمن اللعب راح” فارس ردًّا على ابنه في المشهد الأخير من فيلم الحريف.

 

(5)
حتى شعاراتنا القديمة دهستها أقدام القطيع، شوّهت معالمها كما شوّه البؤس ملامحنا. ضاع مفتاح الفرج، وأصبحنا بعده لاجئين بلا مأوى، نتسكع في شوارع المدينة، ونقضي ليلنا في أضرحة الأولياء كالدراويش نلتمس التوبة عن ذنبٍ لم نقترفه.

استبدلوا كلماتنا عن الحرية وحقوق الإنسان بأخرى عن الكارثة، والأزمة. عبارات سوداوية تليق بسكان القبور، لا بأحلام جيلٍ كان يسعى لغرس فسيلة بدلاً من زرع قنبلة في ميدانٍ مليء بالبشر.

نفخوا في الصُّور، وتركوا بعضنا يموج في بعض، حتى مات بعضنا ببعض، وكنَّا في الحقيقة نأمل توزيع الزهور على بيوت مدينتنا لا على قبور بعض.

 

(6)
“كلهم كدابين”.

علي في فيلم الحب فوق هضبة الهرم معلقـًا على نخبوي حاول إقناعه بمثاليات زائفة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد