عبد القادر يسكن قرية مُهمَلة تبعد على سَلمانة بضواحي دائرة مسعد حوالي 50 كم، والتي بدورها تبعد بحوالي 360 كم على عاصمة الجزائر؛ أبٌ لثلاثة أطفال، فقير الحال، عاطلٌ عن العمل أحيانًا يبيع المسواك عن باب المسجد القريب من بيته، سُرقت منه أرضُه التي مقدارها أربعة هكتار عُنوةً قبل أربع سنوات من طرف جاره المُجاهد إبان الثورة التحريرية والمعروف بقوة كلمته عند الإدارات، لم توفر له هيئة الضمان الاجتماعي بعد بطاقة الشّفاء، بالرّغم من أن به كذلك مرضًا مزمنًا – السُكّري – ليستطيع الحصول على دوائه.

شخصٌ لم تصله العدالة بكامل أشكالها في ظلّ صِغر العالم، بعيدٌ في قريته ودائرته ودولته وبكل تأكيد من هذا المنطلق لن يصل إليه العالم أبدًا، لكن في ظل ما يحصُل هذه الآونة، وفي نفس اليوم عمي عبد القادر رئيس وزراء بريطانيا بوريس جونسون يُصابان بمرض كورونا، يدخل بعدها بوريس جونسون إلى العناية المركزة في المستشفى وتتهافت التغريدات في العالم أجمع تتمنى الشفاء له وعمّي عبد القادر يدخل العناية المركزة في بيته بجانب الشمَيني، وهو مدفأة تقليدية قديمة! لا يملك جهاز تنفس، ولكن زينب زوجته قامت بواجبها، أعدت له حساء من «التمّرِّيوَت الدقفت» الزعتر كدواء، الأول لتبريد الجسم والثاني لعلاج السموم والثالث لتخفيف حدة الانفلونزا، هي أعشاب طبية جيدة.

دعنا من كل هذا باختصار عبد القادر مات بوريس جونسون خرج من العناية المركّزة، لا أدري هل وصلت حالته إلى الله فاستجاب لدعوات الكثيرين في العالم أو أنّ جهاز التنفس قام بما يجب عليه أكثر مما فعلته زينب مع عبد القادر، الغريب أنه من كان يظن أن عبد القادر سيشترك مع بوريس في أمر ما معًا، في يوم واحد يمرّان بنفس الحالات، وكأنهما بجانب بعض، العالم حقًا قرية صغيرة!‏

‏العالم قرية صغيرة

‏ ‏لا شك أنّه أوّل درس في الإعدادية حينما كنّا صغارًا نتطلّع إليه في أول الكتاب المدرسي؛ نقرأُ أنّه في خضم التطور الحاصل في وسائل النقلالمواصلات، والتكنولوجيا والاتصالات، جعل العالم قرية صغيرة؛ يقرّب الناس بعضهم بعضًا، ويستطيع من خلاله أن يجتمع العالم كلّه بكبسة زر واحدة، ناهيك عن تلك الإيجابيات التي صدّعوا رؤوسنا بها من الوحدة، والالتفاف، واجتماع الإنسان، ومعالجة المشكلات على نطاق واسع، لكن بعد هذا أصبحتُ أسترجع هذا الدرس لأرى مدى فاعليته وحقيقته في حياتنا، فبدلًا عن أن نُبقي الدّرس حول عنوان «العالم أصبح قرية صغيرة»، علينا أن نُجدده بعنوان هل هناك فائدة ترجى من تحويل العالم إلى قرية صغيرة؟

هل استفدنا نحن البشر من هذه الفكرة، أم زاد الشرّ استفحالًا بهذه الطريقة؟ إن ما نراه أكثر بتقريب البعيد هي فقط الحروب التي تَغلي في كل شبر من هذا الكوكب، فهناك دول أاحتلت بمجرد أن هناك أخرى تمكنت من الوصول إليها، لا تهمني ما تسميتها؛ فتوحات أو اكتشافات، أو احتلال أو استعمار، كذلك هناك سباق تسلّح ليس حول مدى القوة، ولكن حول مدى المناطق التي تستطيع الصواريخ الوصول إليها مثالًا.

‏حول تقريب البعيد وسرعة الوصول اليه؛ هناك الكثير من المشكلات في العالم، الكثير من الفقراء الكثير من المُشرّدين، والذين لم تصلهم المعونات، بالرّغم من وجود آلاف المنظمات الإنسانية والخيرية العامة الحكومية، وتلك الخاصة كذلك التي يملكها رجال الأعمال أو زوجات الوزراء والتي في كل يوم تُنشر حول بعضها اتهامات بالاغتصابات الجماعية في القرى النائية الأفريقية والاستغلال والاستعباد، هناك الكثير الكثير من المظلومين لم تصلهم العدالة، بالرّغم من أنّ العالم أضحى قرية صغيرة.

‏في الحقيقة العالم قرية صغيرة في السيئات فقط، لكنه واسع ساشع كبير لا محدود ولا متناهي لدرجة أن عمي عبد القادر عند مرضه لم يأخذه جاره الساكن بجانبه مباشرة إلى المستشفى الذي يعمل فيه كممرض عندما سمع بمرضه، ولكنه صنع حاجزًا بينهما، وصار يخرج من الباب الخلفي من بيته!

‏لست أعدد الفشل أو أظهر الكآبة حول التكنولوجيا؛ فلقد فعلَت الكثير والكثير، لكنها ليست كما كنا نعتقد أو يظهر لنا، لقد فشلت فشلًا ذريعًا، لقد ظهر ضعفها جليًا أمام هذا الوباء الذي لو تحركت فقط بجدّية وعدالة وشفافية في بادئ ظهوره لما شارك رئيس وزراء بَريطانيا عمي عبد القادر المصيبة معًا فقط دون تفاعلاتها التالية، أو ربما لم يمرض أصلًا عمي عبد القادر، واكتفى بمشاهدته في نشرة المساء على الجزائرية الثالثة لا غير.

‏ربما كان الأجدر أن نبحث حول «كيف يكون العالم قلبٌ واحد» قبل أن نحاول جعله قرية صغيرة؛ كي لا تتخذ التكنولوجيا طريقة خاطئة في دورها للبشرية والإنسان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

العالم, بؤرة
عرض التعليقات
تحميل المزيد