كفاح عيسى
كفاح عيسى

هل من الممكن استخدام التقنيات الحديثة للتخلص مِن الإجراءات الحكومية الورقية ومن الترهل الإداري الحكومي؟ ومِن ثَمّ تحقيق توفير هائل في النفقات وتسريع وتسهيل حياة المواطنين؟ وهل من الممكن الاستفادة منها في إجراء الاقتراع والاستفتاء على القوانين والمقترحات بشفافية ومصداقية؟

الإجابة هي «نعم، بالتأكيد!»، وإليكم التفاصيل …

تقوم الدول بتوفير كوادر وطاقات كبيرة لتمكين المواطنين من ممارسة حقوقهم كالتصويت في الانتخابات أو المصادقة على العقود أو إثبات الملكية أو التنازل عنها. ويجري تنسيق هذه الأمور من خلال دوائر ووزارات متعددة تنتشر فروعها في أرجاء الدولة.

ولكن ومع التقدم التقني المذهل الذي وصلت إليه البشرية، صار من الممكن إنجاز تلك المسائل إلكترونيًا ودون الحاجة إلى تعيين موظفين متفرغين أو إهدار الموارد من بنية تحتية أو حتى طباعة ورقة.
أتقدم هنا باقتراح لتنفيذ نظام مواطنة إلكتروني، يبسط الكثير من التعقيدات الموجودة حاليًًا ويوفر في النفقات بدرجة كبيرة. والاقتراح يستند إلى تقنيات موجودة ومتوفرة تجاريًّا.
يقوم النظام المقترح على فكرة الهوية الذكية، كما يلي:

المعلومات التي تُخزّن على «الهوية الذكية»

يمكن استخدام البطاقات الذكية أو الساعات الذكية لتوفير خدمة الهوية الذكية لكافة المواطنين. تحتوي الهوية الذكية على:
أ- معلومات شخصية عن المواطن، مثل الرقم الوطني الفريد والاسم الرباعي وتاريخ الميلاد ومعلومات عن الأب والأم والزوج والأبناء وعنوان السكن وبيانات التواصل (رقم الهاتف والبريد الإلكتروني) وغيرها من البيانات مثل معلومات أهلية قيادة المركبات أو زمرة الدم وغيرها.
ب- زوجين من مفاتيح التعمية مفتاح عام ومفتاح خاص. واستخدام المفتاح الخاص لتعمية أي محتوى هو بمثابة الإمهار بالختم أو التوقيع. ويتطلب استخدام المفتاح الخاص للتعمية توفير تحقق متعدد يتمثل ببصمة الإصبع أو بصمة قرنية العين و رمز سرّي. والمفتاح الخاص سرّي ولا يخزن في أي مكان إلا على الهوية نفسها. والتحقق المتعدد سيضمن حماية المواطن من عمليات تزوير الهوية.
ج- نسخة عن كل الوثائق «الممهورة» (أي الموقعّة) حسب الأصول التي كان المواطن طرفًا فيها. بحيث يمكن بسهولة التأكد مِن مصداقية التواقيع التي عليها وبالتالي التحقق مِن صحتها.

المعلومات التي تُخزّن على «خوادم الدولة الرسمية»

توفر الدولة خوادم مترادفة محاطة بأعلى درجات الأمان والسرية (يصعب معها ضياع البيانات أو التلاعب بها) لتقوم تلك الخوادم بتخزين معلومات المواطنين الموجودة على الهوية الذكية. بالإضافة إلى المفتاح العام (العام فقط أما الخاص فلا يغادر البطاقة). ثم تقوم تلك الخوادمة بربط ملف المواطن بمعلومات ترتبط بالخدمات مثل:
أ- السجلات الطبية والمرضية وهي ضرورية لتسهيل عمل الأطباء لاحتوائها على التاريخ المرضي والحالة الصحية والمحاذير الصحية لهذا المواطن.
ب- السجلات الجنائية لاستخدامها في نظام الإئتمان وتحديد درجة «ثقة» المواطن (أو ربما تشابه ذلك مع ما نسميه بحُسن سير وسلوك). والتي يحتاج المواطن إلى تقديمها عند التحاقه بعمل جديد مثلا أو عند تقديم شهادته في المحكمة أو لإتمام عقد استئجار منزل وهكذا.
ج- السجلات المدنية كدفتر العائلة، لتوثيق الزواج والولادة والأبناء وتوثيق الطلاق والوفاة. فيصبح من السهل انجاز هذه الأعمال، بما فيها إجراءات حصر الإرث مثلا.
د- سجلات ملكية الأراضي والعقارات والأصول الثابتة والمنقولة كالسيارات، بحيث يرتبط رقم المواطن بشكل مباشر بمعلومات الممتلكات.
ه- توثيق العقود والديون والرهن والتوكيلات (مثل ما يعرف اليوم بكاتب العدل). بحيت تُدخَل العقود إلكترونيا ويوقع عليها المتعاقدون ويوقع عليها شهود عدول.
و- إصدار التبليغات الرسمية (الممهورة) إلكترونيا وإرسال إشعار بها عبر قنوات الاتصال الإلكترونية إلى المواطنين بحيث يمكن للمواطن الرد بوصل استلام ممهور بتوقيعه ومن ثم متابعة الإجراء المطلوب.
ي- إصدار الرخص مثل قيادة السيارة (بفئاتها) ورخص ممارسة المهن وغيرها.

خدمات منظومة الهوية الذكية

تقوم خوادم الدولة بتوفير واجهة برمجية وواجهة مستخدم تتيح التأكد من مصداقية أي وثيقة كما تتيح التأكد من استمرار صلاحتيها. مثلا هل لا زالت قطعة الأرض تعود إلى المالك المذكور في الوثيقة؟ هل لا زال الزواج قائم؟ هل شهادة حسن السير لا تزال كما هي؟ هل لا يزال التوكيل نافذًا؟ وهكذا.

وتقوم الدائرة المختصة في الدولة بإصدار الهوية الذكية لكل مواطن عند الطلب، وقد يتطلب إصدارها أو إعادة إصدارها مجيء معرفين «ثقات» (عدول) يوقعّون إلكترونيا للتأكيد على هوية صاحب الطلب.
وتُستخدم الهوية الذكية كبديل عن هوية التعريف الشخصي التقليدية، وبديل عن جواز السفر وبديل عن رخصة قيادة المركبات بل وبديل عن البطاقات المصرفية لإنجاز المعاملات المصرفية واستخدامها مباشرة مع الصراف الآلي وبديل عن بطاقات الدخول إلى الأماكن التي تتطلب التحقق من الهوية أو إذن مسبق.
بالإضافة إلى ذلك تستخدم الهوية الذكية لإتمام وتوثيق إجراءات التنازل عن الملكية، فيقوم الأشخاص المعنيين بالتوقيع على عقد التنازل كما يوقع عليه «إلكترونيا» الشهود العدول، ثم تقوم الدائرة الحكومية المعنية بالتوقيع إلكترونيا على العقد ليأخذ مفعوله الرسمي.
ويمكن استخدام الهوية الذكية للولوج في مواقع الخدمات الإلكترونية المختلفة دون الحاجة إلى عمل اسم مستخدم وكلمة سر لكل موقع. ويمكن فعل ذلك أيضا مع إعطاء المستخدم الحق في تحديد المعلومات الإضافية عنه التي يجري توفيرها للمواقع الأخرى.
كما وتستخدم الهوية الذكية في التوقيع على الاقتراحات التي يقدمها المواطنون للدولة بحيث تلتزم الدولة بالتعامل مع الاقتراح إذا تجاوز نسبة معينة من الداعمين له. وتستخدم بالمنوال نفسه للتصويت على القرارات المهمة للدولة والبلديات. ويمكن اعتماد تقنية «سلسلة-المقاطع» في توثيق كافة حالات التصويت وتوفيرها في سجل عام، يُذكر فيه المفتاح العام للمواطن فقط دون ربط ذلك بمعلوماته الشخصية. فيمكن بالتالي معرفة نتائج أي مقترح للتصويت بصورة شفافة وبمصداقية عالية. كما يمكن للمواطن أن يراجع القضايا التي صوّت عليها والتأكد بأن صوته قد أعتُمد كما أراد. كما وتتيح هذه الآلية الاستغناء الكامل عن مجالس الشعب والنواب. تبقى للأحزاب ومجموعات الضغط أهميتها في نشر الوعي ووضع المقترحات ولكن يبقى للمواطن إجراء التصويت المباشر دون عناء أو تعقيد.

تبسيط الإجراءات وتخفيض النفقات

باستخدام هذه التقنية يمكن الاستغناء عن العديد من الدوائر الخدمية في الدولة وبالتالي توفير النفقات والتخلص جذريا من الترهل الإداري في الدوائر الحكومية ناهيك عن سد الباب على الرشاوي والفساد لأن معظم الإجراءات تتم إلكترونيا بصورة لا يمكن التلاعب بها.

ضمانات الشفافية وحق المواطنين في التحقق من النصوص البرمجية

وبالنظر إلى الدور المحوري الذي تلعبه الهوية الذكية وما ينبني عليها من خدمات، فإنه يلزم تطوير هذا النظام بالكامل بصورة حُرّة ومفتوحة المصدر، بحيث يُتاح للمواطنين مراجعة النصوص المصدرية والعتاد والتبليغ عن الثغرات والعلل والتطوير عليها. وتقوم الهيئة المشرفة على نظام الهوية الذكية باعتماد التغييرات وضمها.

عيوب ومخاطر الهوية الذكية وسُبُل تلافيها

أ- احتمال ضياع الهوية الذكية: لن يستطيع أحد سوى مالك الوثيقة القيام بالتوقيع الإلكتروني كما أن كافة المعلومات الموجودة على الهوية الذكية (باستثناء المفتاح الخاص) موجودة أيضا على الخوادم الرسمية. لذلك يمكن إصدار هوية جديدة وتنزيل البيانات عليها. ولكن سيتطلب ذلك إنشاء زوجين جديدين مِن مفاتيح التعمية.
ب- احتمال ضياع البيانات: ويعالج هذا العيب بإنشاء أنظمة تخزين احتياطية لمرادفة البيانات وأن يكون ذلك في عدة مناطق جغرافية. وبتطبيق مبدأ تجميد كل عملية، بحيث يكون التعديل نفسه عبارة عن عملية أخرى في سلسلة العمليات فسيسهل هذا من مزامنة البيانات عبر عدد كبير من الخوادم وأنظمة التخزين مما يقلل احتمال الضياع وبصورة كبيرة.
ج- احتمال تزوير الهوية: وهذا أيضا وارد بالرغم من التدابير المشددة، ومن أهم أوجه تلافي هذا الاحتمال هو الإعلان عن كافة التفاصيل التقنية المتعلقة بالهوية حتى يتسنى لخبراء أمن المعلومات التأكد من متانتها. واحتمال التزوير هنا – بالمناسبة – أقل من احتمال التزوير في الأنظمة المستخدمة حاليا.
د- احتمال اختراق الخوادم المركزية والتلاعب بها أو التأثير على أدائها: ولا بد هنا مِن مراعاة كافة التدابير الأمنية والإعلان عنها للناس حتى يتسنى لخبراء أمن المعلومات مراجعتها.

يجدر القول بأن الأنظمة الإلكترونية المُستخدمة في يومنا هذا والتي لا تتبع الإجراءات الأمنية المشددة (مثل التي ذكرتها في المقالة) تكون عُرضة بدرجة أكبر للاختراق أو التزوير أو التلاعب. وهذا يُعتبر من أكثر ما يثير قلق أصحاب القرار، ولكن بتنبي أعلى درجات الأمان والشفافية تقل تلك المخاطر بدرجة كبيرة جدا، ومن نافلة القول أنه لا يمكنني أن أزعم أن هنالك نظام آمن ١٠٠٪.

ورغم تلك العيوب والمخاطر جميعها، فإن الفوائد التي نحصل عليها من استخدام الهوية الذكية تفوق بكثير مخاطرها. ومِن المهم التأكيد على أن استخدام منظومة الهوية الذكية لن يُعرّض البيانات والإجراءات إلى إشكاليات غير موجودة بالفعل في الأنظمة القائمة حاليا. مثلا التزوير والتلاعب موجودان في الأنظمة الورقية منذ
القدم أيضا، فليس للأنظمة المعتمدة على الورق أفضلية مقارنة بالأنظمة
الإلكترونية التي تتبع إجراءات الحماية والأمن المعلوماتي.

الخاتمة

أصبحنا نعيش على مرمى حجر من الوصول إلى الرقمنة الكاملة للمعاملات والوثائق، فآخر مرة تعاملتُ فيها مع طلب دفع “شيك” أو كشف حساب ورقي كان منذ سنوات، كما أن الإجراءات الحكومية مثل استخراج رخصة السيارة والهوية وجواز السفر (في الأردن) تتم بصورة رقمية (إلكترونية) باستثناء طلب هزيل يُملأ يدويا ويُختم ببضعة أختام، لتبدأ عمليات رقمية بالكامل تنتهي بطباعة الحاسوب للوثيقة المطلوبة.

ورغم الرقمنة المتزايدة وحقيقة أن هنالك العديد من المحاولات لتفعيل الهوية الذكية في عدد متزايد من الدول وعلى راسها ماليزيا وإستونيا، لكنها لم تصل إلى درجة التناغم والتكامل الموضحين هنا – حسبما أعلم. وعند استخدام هذه المنظومة سيصبح التعامل مع النماذج والطلبات الورقية وما عليها مِن أختام وتواقيع وملاحقة المعاملة مِن دائرة إلى دائرة شيئًا من الماضي. فمع وصول التقدم التقني إلى ما وصل إليه لم يعد هنالك سببٌ واحد لاستخدام «الورق» لعمل أو إتمام أي إجراء؛ اللهم إلا إذا أراد صاحب الطلب أو الوثيقة طباعتها ليبقيها في سجلاته الورقية.

_______________

مُلحق المصطلحات

مفاتيح التعمية المزدوجة: Dual Key Cryptography (aka PKI)
مفتاح عام خاص: Public / Private Key
الإمهار بالختم أو الممهورة بالختم: Digital Signature
خوادم مترادفة: Redundant Servers
سلسلة-المقاطع: Block-chain
النصوص المصدرية: Source code
العتاد: Hardware

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك