إن القوة في السياسة هي القدرة على فعل الأشياء، ومن يملك القوة هو الذي يستطيع السيطرة على من هم أضعف منه، ومن يملك أكبر قدر من القوة هو الذي سيكون الشخص الذي يهابه الجميع ويستجيبون لأوامره وينفذونها، هذا ما يسمى في العلاقات الدولية بِالإذلال التي هي إحدى الباثولوجيات التي كانت الدول القوية تستخدمها لتُحكم سيطرتها على من لا يطيع أوامرها إما بالتعذيب أو الاحتلال أو الانتداب!

لكن في الوقت الحالي، بدأت تظهر أنواع جديدة من القوة، وخاصة مع التطور التكنولوجي وظهور العولمة، التي ألغت المسافات، لتُحطم الحدود، ويشرع باب التواصل بين كل الناس، حيث أصبحت الحياة الدولية عالمية أي خالية من الوساطات أكثر فأكثر، لقد بات الكل مرتبط بالكل إذ اصبح الشأن الدولي اجتماعيًّا أو ما يسمى في العلاقات الدولية بِتكتونية المجتمعات.
وأصبح في متناول الجميع للتعبير عن آرائهم وقد نالت العولمة من الأهمية ما يكفيها لتكون أداة قوة للدول.

عندما نتكلم عن القوة، فإن الذي يخطر على بالنا هو القوة العسكرية، وفي حينِ آخر نقول إن القوة الاقتصادية هي أيضًا قوة، وفعلًا هما يشكلان معًا ما يسمى بالقوة الصلبة، وهناك نوع حديث من القوة هو القوة الناعمة الذي يعتمد على جذب الآخر بواسطة الثقافة والقيم، وأيضًا السياسات الخارجية التابعة لدولة ما وقدرتها التفاوضية البحتة التي تجعلها قوية في نظر غيرها والقدرة الاقتصادية التي يتفق بعض الباحثين على أنها تعتبر أداة لكل من القوة الصلبة والقوة الناعمة، لكن لكل منهم طريقة خاصة باستخدامها.

ليس كل من يملك القوة هو الذي يستطيع السيطرة والهيمنة والقوة الكبيرة، أو الضخمة قد تدلي بصاحبها إلى الهلاك، لأنها لم تضع نفسها تحت مظلة إدارية محكمة لكي تحميها وتسيطر عليها جيدًا، في الحقيقة من يملك القوة بحق هو الذي يعرف ويستطيع السيطرة عليها بطريقة ذكية وفق عملية إدارية ونظام متميز واستراتيجيات محكمة تجعل لدولته مكانة مميزة ومتصدرة على قريناتها من الدول.

القوة الذكية هي الإدماج الذكي بين القوة الصلبة والقوة الناعمة، القوة الصلبة أداة المدرسة الواقعية والقوة الناعمة أداة للمدرسة الليبرالية، حيث ستكون السياسة والاستراتيجية للدولة التي يتابع هذا النهج، واقعية ليبرالية في آن واحد أو حسب ما سماها عالم السياسة الأمريكي جوزيف ناي الأبن بِالقوة الذكية.

إن سياسة الدول الكبرى مثل الصين، وروسيا ودول أوروبا، فرنسا، وألمانيا، وبريطانيا لهم مكانة مهمة في النظام الدولي وهم مثابرون حتى يصلوا إلى التناسق والعمل على إحداث توازن بين القوتين الصلبة والناعمة، لكن الولايات المتحدة هي في صدارة هذه الدول لإحداث هذا التوازن والاتساق التام بين هاتين القوتين المدموجتين، وخاصة سياسية ترامب الحديثة التي يراها أغلب الناس على انها واقعية بحتة، لكن برأيي إنها قوة ذكية فهو يدمج في شخصيته كلتا القوتين معًا ويتحكم بهما جيدًا، حيث تتميز استراتيجيته بالدهاء والذكاء فعندما أصبح رئيسًا قام بزيارة عدد كبير من الدول لتوطيد العلاقات الأمريكية بالدول المجاورة، وخاصة التفاتته الممتازة عندما زار كوريا الشمالية التي لم يزرها أي رئيس للولايات المتحدة من قبل.

تغيرت كثيرًا مقاييس القوة، أصبحت القوة في التعاون أكثر من الصراعات والحروب، وتزامنت الاستراتيجية الأمريكية مع التطور والحداثة، وخاصة مع ظهور الفاعلين من غير الدول في النظام الدولي، حيث أحدثوا شرخًا كبيرًا فيها وأثروا على موازين القوى، مما جعل الولايات المتحدة تضع خططًا واستراتيجيات وأفكارًا تتلاءم مع هذا التغير.

إن سرد القوة الذكية بالنسبة إلى القرن الواحد والعشرين ليس تعاظم القوة أو الاحتفاظ بالهيمنة، إنه يتعلق بوجود الأساليب التي تجمع الموارد في استراتيجيات ناجحة في السياق الجديد لانتشار القوة. وهذا ما أكده جوزيف ناي الابن في كتابه مستقبل القوة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد