نسمعُ الكثيرَ من الردودِ التي تبعثُ في النفسِ طاقةً إيجابيةً لا توصف، ويتمتمُ الواحدُ منا: ما أروعَ هذا الرد! وما أجملَ هذه الإجابة! ليتني أمتلكُ هذه الموهبةَ البديعة! وفي ذاتِ الوقتِ فإنّ كلَّ إنسانٍ توجدُ بين عينيه لافتةٌ مفادُها «أعطني ما أستحقُهُ من الاهتمام، ولا تمُرَّ غيرَ آبِهٍ بي»، وبإعمال هذه الفكرة فإنّنا يستهوينا الحَسَنُ من الردودِ والإجابات، كما أنّها تشيرُ ضِمنيًّا لقُدرتِك الفذة -باعتبار أنك تمتلكُ أو ستحاولُ جاهدًا امتلاكَ هذه الموهبةِ مع نهايةِ هذا المقال- على تقديرِ الآخرينَ، وإشباعِ حاجتهم بأهميتهم، واستثمار المواقف للحصولِ على أفضل ما يمكن منها، فضلاً عن القدرةِ الفائقةِ على التواصلِ والتفاعلِ مع الآخرين، بلْ وجذبِهِم لمجالِك المغناطيسي الذي يُثبِتُ أنّكَ شخصية كاريزمية من طرازٍ متفرد.

إذا ركزنا على أهمية شعور المرء بالاهتمام والاحترم من قِبل الآخرين، فإن ذلك سيكون بمثابة الوقود الذي يطير بنا إلى فضاءات التواصل المثمر، وسيكشف لنا مناطق في حياتنا نتمكن بمساعدتها من العيش بأسلوبٍ أكثر سعادة، وأقرب إلى قلوبِ من حولنا. وهذا ليس بجديد؛ فعلى سبيل المثال قسّم إبراهام ماسلو حاجات الإنسان في شكلٍ هرميٍ معروفٍ لنا بهرم ماسلو للحاجات الإنسانية، وخصصَ ماسلو قاعدة الهرم للحاجات الفسيولوجية، ثم يتوسط الهرم الحاجات النفسية (الحب والتعاطف)، ومعها الحاجات الاجتماعية (التأثير في الآخرين واكتساب الأصدقاء، والترابط الأسري والمجتمعي)، وفي قمة الهرم تأتي الحاجات الشخصية لتقدير الذات. ومع ما قُدِّم من نقد لنظرية ماسلو، فإن ما يعنينا هو الجانب التطبيقي لمسألة الإحسان في الإجابة، وما يترتب عليه من إشباع للمنطقة الوسطى من هرم الحاجات الإنسانية.

استهداف المنطقة الوسطى من الهرم يعتمد عليه الكثير من نجاحات الشخص في الحياة، فأنت تدرِكُ تمامًا أن نجاح الشخص في حياتِهِ بكافةِ جوانبها يعتمدُ على طريقةِ تواصلِهِ وتفاعُلِهِ مع المحيط الذي يكتنفه، فالدراسات العلمية تؤكد أن نسبةَ نجاح الشخص في حياته تتكون من إتقان المهارات التخصصية مع إتقان التعامل مع الآخرين، وتمثل المهارات التخصصية ما جملته فقط 15% من نجاح الشخص، في حين تنفرد قدرته على التعامل بنصيب الأسد إذ تبلغ 85%. هل استوعبت الفجوة؟ هل أدركت لماذا بعض الأكاديميين البارعين لا يجذبونكَ عندما يتحدثون ولا تتأثر بما يقولون؟ هل قفز إلى ذهنِكَ -الآن في هذه اللحظة- شخصٌ ما قد فاقَ غيره ممن هم أعلى منه علميًّا واجتماعيًّا في قدرتِه على التأثير والإقناع؟ هذا كله يمكن رده لقدرةٍ نتغافل عنها أحيانًا، وهي ملكةُ الإحسانِ في الرد على ما يعِّنُ لنا من مواقِف وأحداث.

الموضوع يتطلب منا الإصرار على قبوله، والإقرار بمردوداته على النفس وعلى الآخرين. لأنه ليس نظريًّا، ولكنه في صلب الحاجات اليومية التي ننخرط فيها وننتظِم في سلكها. ما رأيك لو أغمضتَ عينيك قليلاً وتذكرتَ موقفًا ما قد جرى الأسبوع الماضي، أو الشهر الماضي -مثلاً- وقد أحدث هذا الموقف جلبةَ وتلاسنات كلامية لا طائِلَ منها، وفي لحظتها قلت لنفسك: لو قال الرجلُ كيت وكيت لأخرج نفسَه من هذا المأزق. ثم تخيل موقفًا آخر وقد كان أحدُ طرفي الأمر قد استبد به غضبه، ولكن لحسن الرد ولطفِ الإجابة سكنت ثائرته وهدأ، وربما اعتذر عن انفعاله. تحليلُك لهذين الموقفين يجعلُكَ تُقِرُ بنفسكَ أنّ «الإحسان في الإجابة من أمارات النجابة».

وستلحظُ أننا نتحدث خلال السطور القادمة عن الصبيان، وقد أرجأتُ الحديث عن الرجال والنساء لمقالاتٍ قادمةٍ بمشيئة الرحمن وعونه، وذلك لأن تعليم الأبناء هذه الملكة منذ نعومة أظفارهم لهو بمثابة إعداد رجالاتِ المستقبل، وتمكينهم من موهبةٍ شديدة الأهمية وقوية التأثير في مساقات حياتهم بشكلٍ إيجابيٍ وسريع. الدخول على الخلفاء والأمراء والوزراءِ وعِليَةِ القوم يتطلبُ من الرجال فكيف بالصبيان؟! الرد المناسب اللطيف المقنع الذي لا تزلُّف فيه ولا مداهنة، فإن صدرَ عن الرجلِ القولُ الطيب والردُ الحسن فبها ونعمة، فكيف تقولُ إن صدرت الأقوالُ الرائعة من صدور الصبيان الذين لم يخبروا الزمان، ولم تتكون لديهم الخبرات الطويلة؟! انظر إلى هذا الصبي، إنه دِرْوَاس بن حبيب -وهو ابنُ سِتَّ عشرة سنة- وقد أقبلَ مع أبيه في الوفود التي دخلت على هشام بن عبد الملك بعدما عضهم الجوع، وكشر لهم القحط عن أنيابه، فوقعت عينُ هشامٍ على دِرْوَاس، فالتفتَ الخليفةُ إلى حاجبه وقال: ما شاء أحدٌ أن يدخل عليّ إلا دخل؟! حتى الصبيان! فقامَ دِرْوَاس مُنْتَصِبًا بين يدي الخليفة، وقال: يا أمير المؤمنين! إن الله تعالى إذا رزق عبده قلبًا حافظًا، ولِسانًا لافِظًا؛ فقد أعطاه الخير كله، وإن للكلامِ يا أمير المؤمنين طيًا ونشرًا، ولا يُعرفُ طيُهُ إلا بنشْرِهِ؛ فإن أذِنَ لي أميرُ المؤمنين بنشْرِهِ، نشَرْتُه! فقال الخليفة وقد أخذهُ ما قالَ الصبيُ: انشُرْهُ للهِ درك! فقال دِرْوَاس: يا أمير المؤمنين! لقد أصابتنا سنونٌ ثلاث؛ فسنةٌ أذابت الشحم، وسنةٌ أكلتِ اللحم، وسنةٌ دقّتِ العظم، وإنّ في أيديكم فضولَ أموالٍ؛ فإن كانت لله ففرقوها على عبادِه، إن كانت لهم؛ فعلامَ تحبِسوها عنهم؟! وإن كانت لكم فتصدقوا بها عليهِم؛ فإن الله يجزي المتصدقين! فقال هشام: ما تركَ الغلام لنا في واحدةٍ من الثلاثِ عُذرًا؛ فأمرَ للبوادي بمائةِ ألف دينار، وله بمائة ألف درهم، ثم قال: ألكَ حاجةٌ؟ فقال درواس: ما لي حاجةٌ في خاصةِ نفسي دونَ عامةِ المسلمين؛ فخرجَ من عندِهِ وهو أجلُ القوم.

ومن بين أمارات نجابة الصبيان -أيضًا- ما وقع من إياس بن معاوية! فما الذي جرى؟ ذكر المسعودي في شرح المقامات أن الخليفة المهدي دخل البصرة؛ فلقيه إياس بن معاوية بن قرة القاضي، وخلفه أربعمائةٍ من العلماءِ وأصحابِ الطيالسة، فاستشاط الخليفةُ غضبًا وقال: أما كان فيهم صبيًا يتقدمُ هذا الحدث؟! ثم التفت الخليفةُ إلى إياسٍ وقال: كم سِنكَ يا فتى؟! ففطِنَ للسؤالِ إياسٌ وقال: سني أصلح الله أمير المؤمنين سنُ أسامةَ بن زيدٍ يومَ ولاه النبي صلى الله عليه وسلم على رأسِ جيشٍ جرار، وتحتَ إمرته الصحبُ الكبار كأبي بكرٍ وعمر وعثمان وعلي. فقال الخليفة المهدي لإياس: تقدَّم! بارك الله فيك! أنت لها. في هذا الموقف المهيب، والخليفة في موكبهِ الكبير الذي يعقِدُ الألسِنةَ ويستوجِبُ المهابةَ وذهولِ الرأي، امتلكَ إياسُ بن معاوية القدرة على الرد بفطنةٍ وحكمة؛ مما رفعَ من مكانتِهِ في عينِ أمير المؤمنين. ربما لو كنتُ أو كنتَ أنتَ لتصببَ العرقُ حتى من أظافِرِنا، ولانعقدَ اللسانُ، ولربما تمتمَ الواحِدُ منا: يا ليتها كانت القاضية!

ما أروع دِرْوَاس بن حبيب! ويا حبذا لو أنّ أولادنا يحسِنونَ إجابَةِ دِرْواس! وما أبدعَ وألمَعَ ذكاءَ إياس! والسؤال المهم هنا: هل ما ذكرتَ أردتَ به التنظيرَ فحسب؟ والجواب: لا. بل أردتُ تفعيل هذه المهارة لدى أبنائِنا وأنفسنا. وقد تسألني: وكيف ذلك؟ أقولُ لك: في نهايةِ هذه السلسلة من المقالات سأذكرُ لك مجموعةً من التقنياتِ التي تستثمرها في تفعيل هذه المَلَكَةِ السحرية، وحتى ذلك الحين ردد على مسامِعِ وَلَدِكَ هذه الكلمات: الإحسانُ في الإجابةِ من أمَاراتِ النجابة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد