الحب -كما غيره من تلك الأحاسيس التي تخبرك أنك كائن حي- عصي عن التعريف وإن عرفه أحدهم خالفه آخر أو عدّل عليه، زاد أو نقص من قوله، فلا هم استقروا ولا عُرف الحب.
وإن عرفه بعضهم أنه شعور بالانجذاب والإعجاب نحو شخص ما، يأتي أحدهم فيصبغه بتلك الصبغة العلمية بأنه ما هو إلا كيمياء النواقل العصبية من دوبامين «dopamine» و«أوكسيتوسين oxytocin»، وغيرهم ممن يصفون أحوال المحبين من ولع واشتياق إلى من فصّل دروبه وهكذا.

لكن أكثر من رسخ تلك الصورة الحقة مختصرًا قيم  العطاء وحال المحب الحق قول أحدهم: «انظر في شأن أمك تعرف ما الحب».

كل مرحلة أو درجة ما بداية من الإعجاب والارتياح إلى العشق والوله وما قد يتوسطهم، تلك الدرجات التي يحكون عنها تجد «الحب» فيها ضيفـًا مستساغًا مرغوبًا فيه، موجود بقدر ما في كل جانب، وفي أحيان أخرى منزلة مستقلة بذاتها، كلها مفردات مختلفة، اتفق البشر في الإحساس بها ومعايشتها ،وقد يأتي أحدهم يسرد أنواعه من أسماها وهو «الحب الإلهي» وما يليه من الأمومة والأبوة وذوي القربى إلى حب النفس، المادة، والحب الجنسي، إلى آخره .
ثم ماذا؟

لنعد إلى أرض الواقع قليلًا

أما آن أن تكسر ذلك اللوح الثلجي المطلي بخرافات ابتدعوها فصدقوها فألبسونا إياها؟

«ليتنا أنا وأنتِ جئنا قبل اختراع التليفزيون والسينما لنعرف هل هذا حب حقـًا أم أننا نتقمص ما نراه» .

جملة على بساطتها بليغة لـد. أحمد خالد توفيق اختصر بها كثيرًا مما يحدث في واقع وجدنا فيه أن كل ما حولنا يدفعنا بطريقة أو بأخرى لتؤمن لا واعيًا بأساطير الحب الخرافية، تتماهى في أصحابها معايشًا خرافة منفصمة عن الواقع، وإن قاربته ولو قليلًا أضافت إليه تلك اللمسات التي تجعلك «لا واعيًا» كنت أو «واعيًا» تبحث عن نموذج مماثل تحاكيه، ناسيًا فرديتك ومن أنت منساق لهم، لتعيش كذبة هم واضعوها، وبالتكرار نصدقها بحواسنا.

صدقني هم ماهرون بهذا يا صديقي.

ولنكن واقعيين أكثر، ذلك المسمى ظلمًا الحب الذي تدفعه المصلحة أو المادة، والأبرز الآن الشهوة، لم ولن يكون حبًا، بل هو ادعاء وخديعة بطريقة راقية محببة إلى نفوس عطشى غيبها الحرمان والتوق والغفلة لتترك نفسها طائعة بين يدي من لا يكترثون سوى لذواتهم العفنة مستغلين كل شيء وأي شيء متاح، ولنكن منصفين أكثر، ليسوا وحدهم المذنبين، فمن تغيب عنه رقابة الله ويتخلى عن عقله طوعًا في سبيل إرضاء شهوات عابرة غافلًا عمدًا عن إهلاك ذاته، مُدان بطريقة ما عن ذاته، إذ ترك تلك الهائمات تستقر في أراضيه، وتتخذ لها موطنًا مؤقتًا، أم كنت تظنه يومًا دائمًا؟

لا تصدقهم؛ فهؤلاء يبنون لهم أعشاشًا في كل مكان حتى إذا ما شبعوا غادروك وحيدًا تائهًا مذنبًا تلملم شتات روحك، وحيدًا غريبًا حتى عن نفسك.

«الحب أن تذوب»

لا، إنه هو ما يعيد إليك روحك الضائعة في عبثية الأحداث، واضعًا نقاط بلسم على آهات روحك؛ يأخذ منك ليعطيك، ويعطيك لنفسك قبل أن يكون له، هو من إن تحدثت فهم، وإن عاتبت استوعب، وإن ابتعدت ردك إليه ردًا جميلًا، هو من يكون لك عونًا على ما تريد في الدنيا والآخرة، لا من يتخلى عن ذاته وحياته في سبيلك، ولا يطالبك بالعكس، بل من كان له في شأنه ميزان، وفي أمره عدل بين حياتكما معًا، يأخذ بيدك، لا من يقطعها لتكن دومًا بحاجة إليه.

– ثم تلك القصاصات الفارغة عن تزوجي فلان أو أحبي من يفعل هكذا أو هكذا، أو إن كان يحبك صدقًا فلن يفعل هذا ولن يغضبك هكذا!

هلا أفقتم قليلًا، لنأخذكم جولة صغيرة في حياتكم، متفقون نحن أن الوالدين هما أكثر من يحبنا في هذا العالم! ألم يغضباك يومًا؟ ألم يحزنك كلامهما؟ ألم تختلفوا سويًا في أمر ما؟ ألم تشفق عليهما يومًا وأشفقا هما عليك؟ هذه هي الحياة شد وجذب، مد وجزر؛ لكننا في النهاية نحبهم ويحبوننا، تلك هي الحياة، إن كنتم لا تعلمونها.

«النفس تميل لمن يهتم بها»

لا أجد قولًا لأعقب به سوى أنها  الحياة، يصورون العلاقات كنبتة صغيرة يرويها الاهتمام مبعدًا عنها الذبول والفتور، ويعيد إليها الحياة كلما غابت بعيدًا، وإن من أسوأ ما نفعله بأنفسنا وبالآخرين سرد تلك القائمة التفصيلية عما ننتظره من الطرف الآخر وأحقيتنا المسبقة لذلك، ولا نرصد ذلك القدر لهم من أنفسنا غافلين أن الحب عطاء وبدونه يفنى.

«وإذا كنت ذا عقل راشد فاتبع قلبك حيث ذهب»

بقيت مدة لا بأس بها أحاول أن أصل، أيهما أفضل؟ من يكملك فيما ينقصك؟ أم من يشبهك حتى في تفاصيلك الصغيرة؟

اعتنقت أحد المذهبين ردحًا من الزمن، ثم عدلت عنه للآخر، ثم هجرتهما معًا تاركة لعقلي القرار ولروحي القبول، ذلك الإحساس المبسط أنك فقط «مرتاح» لا شيء أكثر من ذلك، تلك الأريحية والتلقائية ولا شيء غيرهما.

والوعي والفهم والتغافل والتجاهل، الاحتواء والتسامح، كلها أمور نحتاجها بقدر احتياجنا للحب كي تدوم علاقتنا بمن نحب.

وختامًا تذكروا أننا في الدنيا، دنيا تستنزفنا، تؤلمنا، تسلبنا الكثير والكثير، قد تعلموا بعضه وقد لا تعلمون، إن قررتم أن تمنحوا أحدهم الحب تذكروا ما يلحقه من اهتمام ورحمة ومودة وعون ودعاء، وإن أحببت فكن رفيقًا، فبالرفق تحلو الحياة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الحب
عرض التعليقات
تحميل المزيد