تونس إلى أين

عندما يتوفى رجل طاعن في السن بسبب البرد، ويتوفى شاب في مقتبل العمر على أثر تعرضه لحادث مرور، ولا يجد الإسعافات الأولية في المستشفى إلا من طرف والده وعاملة النظافة؛ فلا تحدثني عن دولة تحترم كرامة مواطنيها ورعاياها.

عندما تتفشى العنصرية والانتهاكات والأعمال الإجرامية والإرهابية؛ فلا تحدثني عن جودة التعليم وحرية الضمير والمعتقد واحترام الآخر. عندما تشاهد أصحاب الأفكار المتعفنة في الصدارة، وأشباه الرجال في القمة، وأشباه المثقفين على مائدة الأموال يهرولون، وأشباه المفكرين يتصدرون الواجهات يطبلون للتفاهات؛ فلا تحدثني عن النخبة، وعن شعب تفزعه صور العاريات علنًا، وتعجبه سرًّا.

عندما يقع القبض على شباب من أجل تدوينة انتقدوا فيها عمل الحكومة وسياستها المعتمدة؛ فلا تحدثني عن حرية التعبير والرأي المخالف. عندما تطمس قضايا الشهداء والاغتيالات والجهاز السري، وينعم المجرمون بالهناء وبأخف العقوبات؛ فلا تحدثني عن استقلالية القضاء وعدالته.

عندما ينخر الفساد البلاد، وتسيطر اللوبيات على مفاصل الدولة يتحكمون من كل النواحي، إضافة إلى انهيار الاقتصاد أمام السوق الموازية؛ فلا تحدثني عن مقاومة الفساد والتهرب الضريبي والتهريب. عندما تعيش البلاد على وقع أزمة اقتصادية اجتماعية تعليمية سياسية، وصاحب السعادة رئيس الحكومة وحكومته الموقرة منشغلة بتأسيس حزب سياسي؛ فلا تحدثني عن التضحية والعمل والإنتاج والإنتاجية وجودة الحياة.

عندما يصل التضخم إلى نسبة 7.5%، ونسبة عجز الميزان التجاري 8.2%، والمديونية 76100 مليون دينار، ومخزون العملة الصعبة 76 يومًا؛ فلا تحدثني عن تحسن مؤشر النمو، وعن الاستثمارات المزعم القيام بها، وأنت لا تستطيع التحكم في السوق الاقتصادية، وغير قادر على توفير أدنى المواد الأساسية، مثل الحليب ومشتقاته، والسميد، والزيت، وغيره.

عندما يقع حرمان آبائنا المتقاعدين من جرياتهم، والتأخير فيها، إضافة إلى اقتطاع نسبة من أجرة العامل في القطاع العام والخاص تحت ذريعة إصلاح الصناديق الاجتماعية؛ ليقع تحويل تلك الأموال لتعويض أصحاب العفو التشريعي العام من أموال الشعب الكريم؛ فلا تحدثني عن دولة تحترم من ساهم في النهوض بها وبناء أسسها.

عندما يطل علينا وزراء بلادي بتصريحات مضحكة كوزير التجارة وتعليله لانقطاع السميد بسبب ارتفاع الأستهلاك على الملاوي، إضافة إلى تصريح وزير الفلاحة بعدم وجود الغزلان في الصحراء للتغطية على الصيد العشوائي من طرف أمراء الخليج، إضافةً إلى انتهاك سيادة وطن وارتهانه لدى صندوق النقد الدولي؛ فلا تحدثني عن احترام هيبة الدولة.

عندما يخاطب رئيس الحكومة شعبه الكريم من منتدى دافوس وينعته بالشعب الجاهل الذي لا يفقه الديمقراطية والحرية، وهو سبب الصعوبات التي تعيشها البلاد بعجزه عن إيجاد الحلول للوضع الاقتصادي والاجتماعي، معتمدًا سياسة الهروب إلى الأمام، وزيادة الضرائب على الشعب المفقر؛ فلا تحدثني عن الصدق في القول، والإخلاص في العمل، فرئيس حكومتنا في أول إطلالة له عقب تعيينه في منصبه بدأ خطابه قائلًا: «لزمنا نقفو لتونس». أتذكر يومها قمت بالتعليق على كلمته بالقول: «لزمنا ناقفوا لتونس» قالها الشهيد شكري بالعيد، وكان مآله الاستشهاد. أرجو أن يكون عند وعده وكلمته وإن فشل صحبة حكومته يصح القول قالها الرجال وتزايد بها الأنذال، وبالفعل قالها الرجال وتزايد بها الأنذال.

ختامًا عندما يستشهد رجال البلاد وشبانها ذودًا عن الراية الوطنية، وأشباه السياسيين ينعمون في بحبوحة من العيش؛ فلا تحدثني عن نموت نموت ويحيا الوطن، بل حدثني عن وافق أو نافق أو غادر البلاد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد