ببسمات مشرقة تعلو وجوههم، يستقبل الأطفال الروهينغا في مخيمات بنغلادش، وفود المنظمات الدولية، ووسائل الإعلام، ويرددون خلفهم هتافات، وأهازيج شعبية، مرة بالعربية، ومرة بالروهينغية، وأحيانًا بالإنجليزية، فهل يريدون بذلك نسيان ما مروا به من مأساة إنسانية كبيرة، أو يحاولون بذلك التغاضي عن ذاكرة مشحونة بالعنف ومشاهد الدماء، وصور الأقارب وهم يلفظون أنفاسهم الأخيرة، أو غصص العيش من دون أسرة في المخيمات؟

أوضاع إنسانية بائسة يعيشها اللاجئون هناك، ويشكل الأطفال النسبة الكبرى من مجموع أعداد اللاجئين الذين يقاربون المليون لاجئ، وبينهم الأيتام والمفقودون والمنهمكون في البحث عن لقمة تسد الجوع، أو قنينة ماء تروي الظمأ. مأساة أضاعت طفولتهم، وانتهكت براءتها، وسلبت حقها في الحياة.

وبين هذه اللحظات العصيبة يختلس الأطفال بعض الضحكات مع الغرباء، ووفود البعثات الإنسانية والإعلامية للحظات بسيطة، قبل أن يعودوا إلى وضعهم الطبيعي، وحياتهم البائسة الجديدة .

وكالة أنباء أراكان أوفدت عددًا من الإعلاميين والناشطين؛ لاستطلاع أحوال اللاجئين، ورصد معاناتهم، ونقلها إلى العالم؛ فخرج أولئك بعشرات من الصور للأطفال وهم يتجولون بين الأزقة، والمخيمات ويصطفون مع الكبار لاستلام المساعدات، وأحيانًا يتجاوبون مع الناشطين، والعاملين في المنظمات الإنسانية الذين يحاولون زرع الابتسامة في وجوههم.

ابتسامات بريئة

يقول الناشط عمران الأركاني: «الأطفال في بنغلادش لا تكاد تجد فيهم الابتسامة إلا نادرًا، الغالبية من الأطفال انغمسوا في الأعمال الشاقة. تلاحظ عندما تدخل المخيمات كبار السن والنساء والشباب منهكين تمامًا مع الأعمال الشاقة، وظروف الحياة الصعبة القاسية، إلا أن الأطفال إذا زرعت الابتسامة فيهم حولوا المخيمات إلى مكان سعادة وفرح»، وأضاف: «جلست مع مجموعة أطفال وسألتهم: هل تجيدون لعب كرة القدم؟ فأجابوني بصوت واحد: نعم نجيد اللعب. فطلبت منهم إحضار كرة؛ فقالوا لي: ليس لدينا. أخذت من زميلي 500 تاكا وأعطيتهم وقلت لهم: هاتوا بها كرة؛ فقالوا لي لا يوجد في الجوار أحد يبيع الكرات سوى واحد، لكنه في مكان بعيد. قلت لهم: استأجروا وسيلة نقل وأحضروا كرتين؛ فتشاوروا فيما بينهم وذهب كبارهم فانتظرتهم، وما هي إلا لحظات حتى أتوني بكرة وعلى وجوههم الفرحة والسرور؛ فشكلنا فريقين وبدأنا في اللعب، وتلك كانت من أجمل لحظات عمري».

يكمل الناشط سليم نور الحديث في هذا السياق ويقول: «في كل مكان نذهب إليه يطلب الأطفال منا أن نجلب لهم الكرة، وقمنا بذلك فعلًا مرارًا، ولعبنا معهم جزءًا من إدخال السرور عليهم، وجزءًا من برامجنا الإنسانية».

ويختم سليم حديثه قائلًا :«الأطفال لديهم ذكاء وفطنة فهم يرددون كلمات عربية ذات لهجة بدوية من أول سماع، وهذا كان واضحًا جدًا، وأنا شخصيًا كنت مستغربًا جدًا جدًا».

وتقول الناشطة سامية حبيب إن أكثر ما أحبته أن روحهم ما زالت مرحة مع كل هذه المعاناة، وما زالت الفرحة مدفونة في دواخلهم، لكنهم يحتاجون إلى من يخرجها منهم.

وتضيف: «وزعت على الأطفال نوعًا من الحلوى، فجاءني أحدهم مرتين فمازحته قائلة: لقد أعطيتك قبل قليل. قال لي: أريد لصاحبي هذا. وأشار إلى طفل آخر كان ينظر إلينا ولكن لا يقترب؛ فأعطيته ولاطفته ثم ودعتهم ومضيت وفي داخلي سعادة كبيرة».

أطفال بتجارب كبار السن

يقول عمران الأركان: «إن الأطفال اللاجئين بشكل عام يحاولون مسح الصورة المأساوية التي عاشوها وترسخت لديهم في أذهانهم». وأضاف: «يريدون فتح صفحة جديدة كليًا، ويمكن أن تقرأ هذا في عيونهم، وأنهم يريدون أن يندمجوا مع الناس ويعيشوا حياة طبيعية» .

وأردف: «وكذلك من الأشياء الملاحظة أنك مع هذا العدد الكبير والأطفال والنازحين تدخل مخيمًا وتمشي فيه مسافة كيلو متر واحد أو أكثر لساعتين وثلاثة وما تنتهي، وليس هناك أي مكان يتمكن فيه الأطفال من اللعب واللهو، ولا حتى أي شيء يتسلون به . إذا سألت طفلًا عمره سبع سنوات فقط عن سبب خروجه من أراكان؛ ستجد أنه يتحدث لك عن الألغام، والقاذفات، والنيران، والرصاص، والحرائق، بمصطلحات أكبر من أعمارهم، وقد تعرفوا عليها جيدًا، وهذا شيء أثار انتباهي واستغرابي. صليت مرة في مكان، ولما انتهيت لاحظت فتاة صغيرة تجلس وحدها، منزوية على نفسها، فسألتها عن اسمها، قالت: عائشة، ثم سألتها عن سبب خروجها من أراكان؛ فبدأت بسرد الأحداث وقالت: رأيت إطلاق النار، واغتصاب النساء، وحرق البيوت، والظلم الذي وقع علينا. كانت تتحدث وكأنها امرأة في الثلاثينات، أو الأربعينات بمواضيع كلها أكبر من سنها، وتساءلت حينها في نفسي: كيف لها وهي ابنة تسع أن تتعرف إلى كل تلك المصطلحات والمآسي، لو لم تر أشياء فظيعة في أراكان؟

من جهته يقول الناشط سليم نور: «الأطفال يلاحظ عليهم اللباقة أثناء التعامل مع الكبار؛ وهذا واضح جدًا عندهم، وتلاحظ أنهم لا ينادون أحدًا من الغرباء؛ إلا بالخال، أو العم، ولو أعطيته شيئًا شكرك وقال: سأدعو لك، لقد لاحظت ذلك مرارًا».

يكمل نور حديثه ويقول: «الأطفال متعودون على الأعمال الشاقة؛ ستلاحظ أن الأطفال الصغار جدًا ممن هم في سن السبع، والثماني سنوات، يحملون الكميات الكبيرة من المساعدات. دخلنا مرة مخيمًا بعد توزيع المساعدات فجاءني طفل وهمس في أذني قائلًا: يا خالي لم نحصل على شيء. قلت له ليس عندي شيء الآن وسأعطيك غدًا؛ فغادرني لكني أشفقت عليه وناديته وأعطيته ألف تاكا، حينها قال لي: والدنا قتل ونحن ثلاثة إخوة. سأطلب من والدتي أن تدعو لك في صلاتها».

ويضيف: «في مرة من المرات أعطيت طفلة مبلغًا من المال وغادرت المكان، ثم فوجئت بأنها لحقتني جريًا عندما طرقت باب السيارة؛ فظننت أنها تريد المزيد؛ لكنها قالت لي: كنت أريد أن أقول لك شكرًا».

كارثة صحية وشيكة

يحذر عمران الأركاني من سوء التغذية المنتشر في المخيمات بين الأطفال الذين يتجاوزون الـ60% من مجموع اللاجئين ويقول: «من الملاحظ جدًا ومن أول وهلة في المخيمات حينما تدخلها أن الأطفال بلا استثناء فيهم انتفاخ في البطن، وقد حاولت أن أجري إحصاء بسيطًا بنفسي؛ ووجدت أن واحدًا من بين كل 10 فيه انتفاخ في البطن بشكل غير طبيعي ولافت للنظر، وهذا سببه سوء التغذية، هناك نتائج صادمة من سوء التغذية عند الأطفال».

ألعابهم يصنعونها بأيديهم

يقول عمران الأركاني إنه كان مارًا بين المخيمات المليئة بالحزن، والمرارة، والقصص المفجعة، وبين طرقاتها يلهو هؤلاء الأطفال بلعب صنعوها بأنفسهم .

استوقف الموقف عمران، وجلس يحادث الأطفال، ويقلب في اللعبة التي صنعوها بأنفسهم من العلب البلاستيكية الفارغة وأغطيتها التي أصبحت في نظرهم كسيارات صغيرة يلهون بها مثلما يلهو الأطفال في الخارج .

وتضيف الناشطة سامية حبيب بأن هذه الأوضاع السيئة خلقت في نفوس الأطفال الإبداع فبدأوا يبتكرون ألعابهم بأنفسهم، ويخططون للعب بها وهم في المخيمات وبين ممراتها، وأيضًا حولوا البيئة الصعبة مثل التراب والطين والطمي إلى أدوات للعب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد