569

عبر تاريخ البشرية كان تطور السلوك «الإنساني الاجتماعي» يتسم بالعفوية الناتجة عن الحاجة أو الأزمة أو قد يكون رد فعل على حدث ما، كالكيد الذي أحاط بيوسف نتيجة حب والده له (أَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ). أما اليوم فالسلوك أصبح يُهندَس ويُدَرس ضمن اختصاصات علمية لفهم السلوك تارة وللتأثير عليه تارة أخرى.

ارتباك محاولات الفهم

على الرغم من حداثة وسائط السوشال ميديا إلا أنها أحدثت ثورة واسعة في السلوك الاجتماعي، ثورة سريعة لا تزال غير واضحة المعالم لا يحتويها التنظير السابق ولا يدركها أي استشراف في الوقت الحالي، فديناميكية التطور أسرع من محاولات الفهم، ففي كل لحظة يخرج ابتكار أو تطبيق ينافس الذي قبله في سوق السباق على الأرباح تسديدًا والتنافس على الإنسان تِباعًا أو في النتيجة.

أزمة الخصوصية

تعددت أدوات ضبط الخصوصية التي أنشأها أصحاب التطبيقات في محاولة لحماية المستخدم وتوفير الراحة

ومساحة الحرية والخصوصية، لكن مهما اشتدت صرامة هذه الضوابط فهي لن تمنع أحدًا من معرفة أو مشاهدة ما يجري إن كنت في مجلس عام والكل يستخدم هذه الوسائل في المجالس العامة، ومن مِنا لم يقع نظره على خصوصية غيره؟ وهناك صنف آخر لا يكترث بالخصوصية ويتعمد العمومية لتغدو حياته مثل سيارة الأجرة «التاكسي» الكل يعرفها ويستخدمها.

ما الذي ينشره المستخدم؟

استنادًا إلى الجندر فإن الشباب يميلون أكثر للسياسة أو كرة القدم ثم باقي تفاصيل حياتهم صور، مناسبات… أما لدى الإناث فالاهتمامات اجتماعية غالبًا تتعلق بالحياة الشخصية «مناسبات أعياد أفراح رحلات مطاعم متى ذهبت إلى الجامعة متى استيقظت من النوم تفاصيل اللباس تفاصيل اليوم» وأمور كثيرة نعلمها جيدًا.

هنا تظهر الأزمة

بعد محاولة التلخيص السريع لفهم هذه «الأزمة» سنخلص إلى اتجاهين من الذكور والإناث على حد السواء:
– موقف يعتبر السلوك انتهاكًا للخصوصية وهو مرفوض تمامًا قد يؤدي إلى صدام داخل هرم السلطة في الأسرة، بين الرجل وزوجته أو ولي الأمر وأولاده.
– موقف يمارس الأمر ضمن الحريات التي لا حد لها ضمن عقلية دحر «العادات البالية» ومماهاة السلوك الإنساني وأن العالم تغير، فلا بُد من اللحاق بركب الرقي الجديد.
أما الكاتب فيصطف مع الموقف الأول وعليه فأنا لن أتزوج من فتاة تستخدم السناب شات في نقل فوري لتفاصيل حياتها، فهي وساكن الشارع سواء من حيث الخصوصية وهنا لا معنى للبيوت، ولا تحلو الحياة دون خصوصية الأسرة وسمو انسجام أفرادها وتكاتفهم في الروح الاجتماعية.
الكاتب لا يُعفي نفسه من هذه الممارسات لكنه يضبطها بما هو معقول وضمن ما يقبله العقل وتوقره نفس الإنسان، كي لا يغدو سلعةً في النتيجة كما ذكرنا آنفًا، ترشيد استخدام وسائل التواصل الاجتماعي وهذا العالم المتجدد يوميًا ليس بالأمر السهل في وقتٍ تصبُ فيه الشركات العالمية أبهى الخدمات التي قد تبدو مجنونة لو سمعنا عنها في الماضي.

أنت من تصنع السلوك اليوم، فالعفوية والخيمة وبادية الشام والحياة البسيطة وسجية السلوك دون تبعات انتهت إلى الأبد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك