(مين فينا متلعبش في دماغه؟).. جميعنا بلا استثناء – تقريبا – سقطنا!

يا صديقي لطالما كانت هناك أشياء يتم تهميشها، وأخرى من كثرة تركيز الضوء عليها اختفت ملامحها.. فهناك دائما من يعبث بلوحة السماء والأرض بفرشاة مدببة حادة.. فنرى الله كما يريد.. ونرى قيصرنا كما يريد، وتلك الآلة الضخمة المسماة بالإعلام (المقروء والمرئي والمسموع) كانت وستظل أتون الحقائق.. تعيد تشكيلها وتصديرها لنا.

مارك توين في أحد كتبه (ما الإنسان) يطرح مقارنة لطيفة بين الإنسان والآلة.. يناقش فيها الجبرية من خلال حوار مكون من سؤال وجواب.

فلنفترض جدلا أن الآلة هي جهاز كمبيوتر..
من خلال طرحه  يرى أن الإنسان عبارة عن مادة خام (بمعنى.. في مثالنا المذكور: معالج + رامات + هارد ديسك… إلخ) بالإضافة إلى المؤثرات الخارجية (جميع الداتا المدخلة بما فيها أكواد البرمجة).

أكثر الأمثلة المطروحة على حرية الإنسان هي الفكرة المجردة.. ولكن جملة الأفكار التي ربما تدور في بالك الآن هي وليدة قراءتك للكلام الحالي (مؤثر خارجي) وطريقتك في تحليل هذه الأفكار محصورة في قدرتك العقلية (المعالج) ومخزونك الثقافي (هارد ديسك + داتا مدخلة)،وبناء عليه يصبح السؤال هو: الإنسان بدون أي مؤثر خارجي.. ماذا يصبح حينها؟ وأين تلك النقطة التي من الممكن أن ندفع بها أن الإنسان.. حر؟؟؟

ومن هنا جاءت فكرة صناعة الرأي العام!
الفكرة ليست فقط تحويل الانتباه عن كل ما هو جوهري، وتمرير قوانين وسياسات تحت غطاء من البلبلة، ولكن أيضًا الهبوط بمستوى الإدراك عند الجمهور، والعصف بالحس المنطقي لأولويات الأمور، وأيضا العبث بفلتر المعقول واللامعقول لدينا، بحيث نؤمن بالفكرة ونقيضها في نفس الوقت أحيانًا بكل مرونة وحماس واندفاع.

ببساطة خلق شعب (هجاص وهياص وزياط)!

أو “جعل الفرد يظن أنه المسؤول الوحيد عن تعاسته، وأن سبب مسؤوليته تلك نقص في ذكائه وقدراته أو مجهوداته. وهكذا، عوض أن يثور على النظام الاقتصادي، يقوم بامتهان نفسه ويشعر بالذنب، وهو ما يولّد دولة اكتئابية يكون أحد آثارها الانغلاق وتعطيل التحرك، ودون تحرك لا وجود للثورة”. (تشومسكي)

ناهيك عن محاولة استثارة العاطفة بدلا من الفكر التي تستعمل لتعطيل التحليل المنطقي، إذن.. هل ترى أن المعادلة صعبة، وبها الكثير من المتغيرات؟ وأن المجال ضبابي والرؤية شبه منعدمة؟ وربما لا تستطيع اتخاذ قرار؟ وإن فعلت.. تظل مترددا، أو لعلك تتمسك بقرارك بدافع الخوف فقط من الرجوع إلى الحالة السابقة.

يا صديقي هذا ليس حقيقيًّا..

إنها حالة لبس مصطنعة، وتشويش متقن، ومحاولة إغراقك بأطنان من المعلومات المتناقضة، وتشويه الرموز القديمة والحالية التي من الممكن أن تهتدي بها إلى أول الخيط، هذا الطريق – إن اخترت اجتيازه – ستجد في نهايته لافتة ضخمة (فليبقَ الوضع على ما هو عليه)، أو ربما أنت ممن يرون أن الصورة مجرد ثنائية، وأنت مجبر على الاختيار؟ فهي (أنا أو الفوضى) أو هي (هذا الفصيل أو ذاك).
هذا أيضًا ليس حقيقيًّا، ولكنه تضييق للخناق على زاويتك للرؤية حتى لا ترى أكثر مما هو مفترض أن تراه.

أرجوك ابتعد عن الساقية.. ولينتهِ دور الطور الذي حصرت نفسك بداخله منذ سنوات طوال، فكم توهمنا أنفسنا عالمين عارفين بما يدور من حولنا؟ وظننا أن قرارنا بالانحياز لهذا أو ذاك مبني على إرادة حرة منا واستيعاب!

أو أعلنا استسلامنا لحالة القصور الذاتي (مبدأ القطيع)، مطمئنين أننا هكذا لربما نحافظ على الصورة التي في مخيلتنا، ومنطقة الأمان التي رسمناها على حدودنا، وضمنا فيها أنفسنا وأولادنا ومصالحنا الضيقة.

على مر التاريخ الذي حفظناه كما هو بحقائقه المشوهة، وزيفه المنمق والمترتب.. نحاول أن نقنع أنفسنا بذلك، والدائرة باستمرار تضيق بنا.. حتى أغرقنا أنفسنا بتناقضات تنغص علينا حياتنا.

يا صديقي ليس هناك بطل في المعادلة.. لكن لطالما كان هناك ضحية، والضحية ليس من مات.. الضحية هو أنت! فأرجوك.. كن غريب الأطوار، واخرج من القطيع، حطم كل التابوهات، واجتهد قليلا. ربما لم نولد أحرارًا.. ولكننا بالقطع خلقنا وبيدنا الاختيار!

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد