في هذه القصة: عليك أن تختار شخصية تناسبك، ويناسبك ما ستمر به تلك الشخصية من العناء، لتعد نفسك جيدًا على لعبها إن اضطرتك الظروف لذلك، ولتعلم أننا لا نحرك ساكنًا تجاه تلك القضايا سوى جمع الأرقام وعمل الإحصاءات.

في إحدى الليالي، يقف أحد أطباء الامتياز كمتدرب جديد في نوباتجية ليلية باستقبال ذلك المشفى العام، عندما تدخل حالة لرجل ستيني مصاب بنوبة قلبية حادة أدت إلى توقف قلبه عن العمل، نتيجة لتعرضه لصدمة نفسية مفاجئة، وبجواره عدد من أبنائه يبكونه استعدادًا لسماع خبر وفاته في غضون دقائق أو ربما ساعات إن كان محظوظًا.

وفي محاولة منه لإنقاذه، يحاول ذلك الطبيب حديث التخرج كل ما في وسعه وبمفرده، مستخدمًا في ذلك تلك المعدات القديمة المتوفرة له في ذلك المشفى.

 

تتنوع المحاولات البائسة من ضخ المحاليل وإعطاء العقاقير الطبية وإجراء بعض الفحوصات البسيطة (بسبب الإمكانيات)، ومحاولة الاستغاثة بالطبيب المقيم (غير المقيم في الواقع) أو بإدارة المشفى (غير الموجودة في تلك الساعة المتأخرة من الليل) دون جدوى، ولكن يستقيم خط رسم القلب، ويتوقف عن ضخ الدماء، معلنًا بذلك بداية النهاية الحقيقية لحياة ذلك المريض ودخوله فعليًا في مرحلة الوفاة.

وبعد ذلك يستشيط الابن الأصغر للمتوفى معلنًا اتهامه الصريح لطبيب الامتياز حديث السن بالفشل في معالجة نوبة والده متسببًا بذلك في موته بقوله (لو بتفهموا في الطب مكانش أبويا مات)، وينهال عليه ضربًا منفسًا بذلك عن مشاعره المشوشة بين خوفٍ، وحزنٍ، وغضبٍ، ومرارة الفراق، والشعور بالضياع إلى آخره مما قد يجول بخاطره في تلك اللحظة، حتى يدرك باقي الأقرباء ما يحدث ليخلصوا ذلك الطبيب بعد عدة كدمات مباشرة في الوجه.

في قصتنا هذه عدة شخصيات “مريض/ متوفى، أقرباء، الابن الأصغر للمتوفى، طبيب امتياز، طبيب مقيم، مدير المشفى”، من يا ترى كان الخاسر الأكبر في ذلك ومن كان السبب في خسارته؟!

أتساءل بعد تلك القصة وغيرها الكثير: من يا ترى هو المسؤول عن كل ذلك؟!

هل حقًا فشل المنظومة الطبية وغياب فريق أطباء الطوارئ المتخصصين عن الاستقبال وتكليف متدربي الامتياز بالقيام بدور فريق الطوارئ هو السبب؟

هل كان غيابهم هذا نتيجة للجشع والسعي خلف أموال العمل الخاص متخلين بذلك عن عملهم الحكومي، أم أن عملهم الحكومي لا يوفر لهم حياة كريمة يتساوى فيها الطبيب حتى بعامل بناء غير متعلم؟! هل تتحمل إدارة ذلك المشفى اللوم على موت المريض وتلك الكدمات في وجه طبيب الامتياز؟! هل لدينا منظومة طبية حقيقية، أم أن ذلك ليس أمرًا تهتم له الدولة؟!

وأخيرًا، هل لحياة البشر قيمة في هذا البلد؟!

أيها القارئ الكريم: عليك أن تنتبه، فإنك عرضة لأن تلعب دورًا في تلك الحادثة يومًا من الأيام، وعليك ألا تتهاون – من الآن – في البحث عن الحلول، والدفع في سبيل تحقيقها، حتى لا تصبح رقمًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد