لقد مرت العلاقة بين (إسرائيل- الغرب بمنظومته الاستعمارية) بشكل عام والأنظمة العربية بعدة مراحل تفاوتت فيها من السرية التامة وحتى العلنية الكاملة، و لعل ذروة الوضوح هو ما سبق الربيع العربي، ففي مصر أعلنت الحرب على قطاع غزة من القاهرة حينما وقف أبو الغيط وزير الخارجية المصري آنذاك وتسيبي ليفنى وزيرة خارجية الكيان الصهيوني متشابكي الأيدي لتنطلق بعدها الطائرات الصهيونية لدك قطاع غزة، كما دعمت مصر إسرائيل في مجال الطاقة في صفقة امتزج فيها الفساد بالخيانة بتصدير الغاز الطبيعي بأقل من أسعاره العالمية بمراحل؛ ليصدر لإسرائيل بدولار واحد، بينما كانت تستورده اليابان بما يقارب ال 12 دولار، لتكون الحصيلة النهائية لخسائر مصر تقارب ال 10 مليار دولار حتى وقتنا هذا.

كذلك بلغ التنسيق الأمني ذروته؛ فمثلًا اعتقلت السلطات الأمنية المصرية عناصر من حركة الجهاد الإسلامي أثناء مرورهم بمصر للعلاج، ليتلقوا أشد أنواع التعذيب بهدف معرفة أية معلومات عن أماكن تواجد الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي الدكتور رمضان شلح وعدد مرافقيه الأمنيين، كذلك الأسير شاليط وأية معلومات عن مكان تواجده وهو ما سبقه مقتل القسامي يوسف أبو زهري بالسجون المصرية متعرضًا لأشد أنواع التعذيب في سبيل نفس المعلومة.

 

أما في تونس فكانت فرنسا مستعمرها القديم هي البديل التقليدي لإسرائيل، فبعد رحيل الاستعمار بصورته العسكرية بقى اقتصاديًّا و ثقافيًّا، فمثلا تشكل 1250 شركة فرنسية جوهر الاقتصاد التونسي، ووفقـًا للبيانات الرسمية، بلغت قيمة الاستثمارات الفرنسية في تونس 140 مليار يورو في 2009، مما يجعل من فرنسا الشريك الاقتصادي الرئيس لها، هذا طبعًا غير التبعية الأمنية تحت شعار التنسيق الأمني لمواجهة الإرهاب.

وقد كان في ليبيا أن أعلن القذافي انتهاء أسطورة الممانعة والمقاومة بفتح أبوابه للتفتيش والاستجواب من الاستخبارات الأمريكية للتأكد من أنه لا يملك ولا ينوي امتلاك سلاح نووي أو كيماوي ، كما أعلن أن حل المشكلة الفلسطينية يكمن في دولة “إسراطين” كدولة واحدة للجميع.

و أما في دولة الممانعة الرسمية العربية سوريا فكان التنسيق الأمريكي السوري في ذروته أثناء احتلال العراق، و إسقاط نظام صدام حسين، ولعلنا نذكر لقاء علي مملوك مع الاستخبارات الأمريكية في لقاء كامل حول ضبط الحدود العراقية السورية لمنع توافد المجاهدين من سوريا للحرب مع المقاومة في العراق ، طبعـًا هذه ليست السابقة الأولى؛ فالجولان التي لم يطلق منها طلقة واحدة على اسرائيل تحت رعاية نظام الممانعة خير شاهد على طبيعة العلاقة بين إسرائيل و سوريا.

 

هذه اللمحة التاريخية السابقة هدفها التوضيح و التوكيد على أن الربيع العربي كان من ضروراتها الخروج من نفق التبعية، وهي بالضرورة علاقة تضاد مع كل ما سبق.

و لعلنا في متابعة لسير الربيع العربي نجد أن هناك حالة من الارتباك سادت العالم الغربي وإسرائيل حيال تطور الأوضاع في العالم العربي، فقد وضح جليًّا أن الأنظمة التي اعتادت التعامل معها طوال العقود الماضية على وشك الانهيار أو الانهيار فعليـًّا، وبالتالي سينهار معها ميراث العالم الغربي التاريخي والحاضر المتمثل في:

  • الديموقراطية الغربية
  • الرأسمالية كمنهج اقتصادي وحيد
  • إسرائيل

ولعل النقطة الأخيرة يعبر عن علاقتها بالغرب ما ذكره خوسيه ماريا ازنار رئيس وزراء إسبانيا الأسبق حينما دعا العالم الغربي لمساندة إسرائيل و دعمها بشتى الطرق؛ لأنها تعبر عن الحضارة الغربية، وأن سقوطها يعني سقوط تلك الحضارة.

هكذا نستطيع أن نفهم التطورات الحالية التي أصابت الربيع العربي وفقـًا للثلاثة نقاط السابقة تحديدًا في مصر وتونس، فمثلًا للحفاظ على الديموقراطية الغربية روج الغرب ورجاله للانتقال من الحالة الثورية لحالة الانتخابات وضرورة ترك الميادين، وبالتالي ينتقل الصراع من الحالة الثورية لحالة الجدل السياسي ومن ثم تمحى كلمات مثل التطهير، الاستقلال ليحل محلها الحفاظ على مؤسسات الدولة والهدوء ضرورة للاستقرار لسير العملية السياسية.

 

وأما للحفاظ على الرأسمالية تم الضغط اقتصاديًّا للاستمرار في اللجوء للبنك الدولي لتقديم قروضه التي تزيد الأغنياء غناءً والفقراء فقرًا والضغط للحفاظ على وضع رجال الأعمال كما هم دون أية مسائلة عن دورهم في حالة الإفساد التي وصلنا إليها.

وإما للنقطة الثالثة فكانت الاختبار الصعب، فالعداء واضح و معروف بين العرب وإسرائيل ، رغم علاقات التطبيع التي قادتها الأنظمة، إلا أنه كان واضحًا أن الشعب العربي لازال على موقفه الرافض للتطبيع، و لربما كان أخطر هذه المراحل التوجه نحو السفارة الصهيونية بمصر وحرق السفارة الأمريكية بليبيا وهو ما أكد على أن الشعب لا ينسى من أعدائه عند أية لحظة يستعيد فيها حريته، وهكذا فإن حماية إسرائيل وحماية حالة التبعية بشكل عام تتطلب قوة منظمة ولها جماهيرها، وفي الواقع هناك قوتان في العالم العربي لديهم هاتان الصفتان.

 

الإخوان المسلمون والعسكر، خيار العسكر يدعمه الارتباط التاريخي بين الجيوش العربية والعالم الغربي، وتحديدًا الجيش المصري بعد كامب ديفيد، والذي صحبه تغيير الأوضاع والمفاهيم، حيث لم يعد مفهوم العدو الآن كما كان فيما قبل كامب ديفيد. ولكن يعيبه شبهة الانقلاب العسكري التي ستظل ضربة لبضاعة الديموقراطية وحرجًا صعبًا أمام الشعوب الغربية، أما خيار الإخوان فإنه يمكن التفاهم معهم و لأنهم إصلاحيون وليسوا ثوريين فمن الممكن الوصول لتصورات وسطية معهم تحافظ على الديموقراطية – الرأسمالية- إسرائيل.

 

نستطيع أن نقول إن النقطتان الأولى والثانية قد تحققتا، ولكن النقطة الثالثة هي التي لم تتحقق، فبعد أن أعلنت الحرب على غزة من مصر أيام مبارك، أعلنت المقاومة الانتصار من القاهرة بوجود خالد مشعل ورمضان شلح، بل فتحت الحدود للشباب للدخول في قافلة من 500 شاب، وتواجد رئيس الوزراء المصري أثناء القصف على غزة، هكذا يبدو أن الأمور لن تكون على وفاق حيال إسرائيل.

 

هكذا بدأت الخطة باء بالتنفيذ حتى الوصول لمرحلة الانقلاب العسكري في مصر، رغم وضعها الغرب في موقف حرج للغاية إلا أن العسكر يقوم بدور هام لم يقم ولم يستطع أحد أن يقوم به قبلًا لتأمين إسرائيل، وهو تهجير أهالي رفح وتدمير بيوتهم وإعلان أن سيناء لا يمكن أن تكون قاعدة لمهاجمة جيرانها، لا انتخابات برلمانية واستفتاءات مزورة وكثير من القمع.

هكذا كانت التضحية بالديموقراطية الغربية في سبيل أمن إسرائيل أو الحضارة الغربية كما قال أزنار سابقـًا.

 

أما في تونس فلا توجد إسرائيل التي تستدعي الانقلاب العسكري، ولكن توجد المصالح الرأسمالية والحرية الليبرالية وهي ما يجب الحفاظ عليه، وبالتالي يجب الحفاظ على صورة الديموقراطية ودعمها ليصل الباجي قايد السبسي للحكم كممثل للنظام القديم والتبعية مرة ثانية.

أستعير كلمات أحد أساتذتي بأن ما حدث في مصر بانقلاب هو ما حدث في تونس بالانتخاب، الهدف إسرائيل والمصالح الغربية مرة ثانية.

هكذا أي طريق لا يرى أن الخروج من حالة التبعية للغرب وأن تضاد الكيان الصهيوني ضرورة واجبة سيظل تقدمًا على الطريق المسدود.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد