كتب المفكر العربي منير شفيق عن الثورات في كتابه «تجارب ست ثورات عالمية» فقال: ثمة مشترك عام في الثورات المنتصرة يتمثل في عبورها بفترة انتقالية شديدة التعقيد. فبعضها يغرق في الفوضى لسنوات عدة، وبعضها يدخل بحروب أهلية في مواجهة ثورة مضادة إقليمية وخارجية، وأكثرها يصبح الوضع بعدها من ناحية الأمن أو من جهة المستوى المعيشي، أسوأ مما كان عليه الحال في المرحلة السابقة «حيث إن الثورات بقدر ما تطلب من شجاعة من قبل من آمنوا بها وشاركوا فيها وعملوا على تحقيق أهدافها، فإنها تطلب صبرًا وثباتًا على مبادئها خلال المرحلة الانتقالية، والمتمعن في التجربة التونسية أو الليبية، على سبيل المثال، يقف عند حقيقة كلام الدكتور شفيق. تعرف الجزائر منذ شهر فبراير (شباط) على وقع هبة شعبية يمكن اعتبارها بحكم ما آلت له من نتائج إلى حد الآن بأنها ثورة على شاكلة الجيل الجديد من ثورات الربيع العربي التي اندلعت في المنطقة سنة 2011.

لقد نجحت الثورة الجزائرية إلى حد الآن في تحقيق البعض من أهدافها، حيث استجاب الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لمطلب الحراك الرافض لعهدة خامسة واستقال من منصبه، كما تعتبر استقالة الطيب بلعيز رئيس المجلس الدستوري انتصار جديد لثورة الجزائريين المستمرة. إن حجم الجزائر في المنطقة يختلف عن حجم تونس وليبيا وهو أقرب إلى حجم مصر وسوريا وبعيدًا عن منطق الحتمية التاريخية في علاقة بمآلات مختلف التجارب التي عرفتها المنطقة، الأكيد بأن التجربة الجزائرية ستتعرض إلى نفس المؤامرات الإقليمية والدولية التي عرفتها تجربتي مصر وسوريا. إن الانسجام المجتمعي وطبيعة الجيش الوطني الجزائري بالإضافة إلى التجربة التي راكمتها النخبة الجزائرية خلال العشرية السوداء، عوامل مساعدة على مواجهة الصعوبات التي قد تواجهها ثورتهم، ولكن هذا لا يعني أن لا يتحوط الجزائريون من بعض المخاطر التي قد تهدد ثورتهم.

فرنسا المتربصة

أن المتابع للإعلام الفرنسي منذ انطلاق التحركات في الجزائر يقف عند الاهتمام المفرط بما يحدث في الجزائر بشكل علني، وهو ما يعني تضاعف هذا الاهتمام في كواليس وغرف فرنسا المظلمة، رغم إعلان فرنسا الرسمية أن ما يحدث في الجزائر شأن داخلي لا تتدخل فيه. تسرب في الأيام الماضية عدم رضا الفرنسيون لما آلت اليه الأمور في الجزائر ورفضها لقائد أركان الجيش الجزائري أحمد القائد صالح ولما أعلن عنه الجيش الجزائري في الأشهر الأخيرة، كما كشف هذا الأخير في تصريح له عن مؤامرات بعض الأطراف الخارجية قائلًا «مع انطلاق هذه المرحلة الجديدة واستمرار المسيرات، سجلنا للأسف، ظهور محاولات لبعض الأطراف الأجنبية، انطلاقًا من خلفياتها التاريخية مع بلادنا، لدفع بعض الأشخاص إلى واجهة المشهد الحالي» وقد ذهب كثيرون على اعتبار أن رئيس الأركان يشير إلى فرنسا بتصريحه هذا. تبقى لفرنسا مصالح عديدة لدى مستعمرتها القديمة بالعودة إلى موقعها الجغرافي ولما توفره من موارد لها والواضح أنها ستعمل على أن يكون لها تأثير في هندسة مستقبل الجزائر، ولكن الأوضح بأن أطماعها ستصطدم برفض ومقاومة كبيرة من الجزائريين.

الإرهاب العدو الدائم

عرفت الجزائر 10 سنوات من الاحتراب الأهلي المسلح بين الجيش وقوى إسلامية موالية لجبهة الإنقاذ الإسلامية ورغم توقف التقاتل بين الأطراف المتنازعة خاصة بعد إقرار قانون الوئام المدني سنة 1999، ألم تخل أرض الجزائر، من ذلك التاريخ من حاملي السلاح في وجه الدولة من إرهابيين، وعرفت البلاد خلال السنوات الماضية محاولات إرهابية متعددة على غرار عملية عين أميناس التي تبناها تنظيم القاعدة، خلال التحركات الأخيرة ظهرت بعض الخطابات الإسلامية المتطرفة وعادت بعض عناصر جبهة الإنقاذ الإسلامية لتصدر المشهد وإن كانت الديمقراطية تكفل الحق في  النشاط لمختلف الأطراف، وتضمن حرية التعبير في إطار القانون، فمن المهم الحذر من أن يتحول الخطاب الهادئ والسلمي إلى عنف وإرهاب ورفع للسلاح في وجه الدولة من جديد كما يجب الحذر من أن تعتمد ورقة الإرهاب من قبل المتآمرون على ثورة الجزائر داخليًّا وإقليميًّا.

نعرات الانفصال

رفع العلم الأمازيغي في الحراك رغم تميز المجتمع الجزائري بالانسجام والوحدة، بالنظر لما جمعه من معارك مشتركة خاصة خلال ثورة التحرير التي خاضها الجزائريون بمختلف انتمائاتهم، فإن تواجد بعض حركات الانفصال الأمازيغية ونشاطها السياسي على أرضية الدعوة إلى الانفصال على غرار «الحركة من أجل تقرير مصير منطقة القبائل» قد يدفع الأمازيغ -المشاركون بكثرة في حراك الجزائر- إلى المطالبة لاحقًا بالانفصال كما حصل مع أمازيغ ليبيا وقد انتبه القائد صالح لهذا الخطر فصرح قائلًا «أود الإشارة في هذا الإطار إلى ضرورة الاحترام التام لرموز الدولة وعلى رأسها العلم الوطني، لما يمثله من رمزية مقدسة لوحدة الوطن والشعب وتضحيات الأجيال عبر التاريخ، وإننا على يقين تام أن شعبنا سيكون في مستوى الصورة الحضارية الراقية التي سجلها له التاريخ، ونقلتها مختلف وسائل الإعلام عبر العالم».

المطلبية الاجتماعية

طغت،خلال هذه المرحلة من الحراك الجزائري، المطالب السياسية ولكن من المنتظر وبالعودة إلى ما ذكرناه من كتاب الدكتور منير شفيق في بداية المقال، أن ترتفع لاحقًا المطالب الاجتماعية خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد، وإن كان من الطبيعي أن يطالب الشعب بحقه في الكرامة والعدالة الاجتماعية ولكن من الخطر أن تحول هذه المطالب دون صبر الجزائريين على ثورتهم حتى تحقق الديمقراطية المنشودة وأن تظهر دعاوى النقمة على الثورة. والحنين إلى النظام القديم، ولهم في تونس عبرة ومثال.

دعاوى الانتقام 

تقوم الثورة عادة نظام ارتكب جرائم وأخطاء في حق الشعب وغالبًا ما تنزع الثورة إلى الانتقام من رموز النظام السابق ومنتسبيه عبر محاكمتهم ومصادرة أماكنهم وعزلهم سياسيًا، وإن كانت هذه الإجراءات ضرورية لتحصين الثورة وحمايتها من أعدائها وتحقيق عدالة انتقالية حقيقية، إلا أن مثل هذه الإجراءات إن لم تكن عادلة ومدروسة فقد تؤدي إلى انتكاسة الثورة لا قدر الله. يؤكد المتظاهرون في الجزائر على سلمية تحركاتهم  إلا أن الممعن في الشعارات المرفوعة يقف عند دعوات إقصاء وانتقام من النظام القديم وهو ما قد يؤدي إلى نتائج عكسية، ليبقى خيار المصالحة والوفاق لبناء مستقبل أفضل للجزائر هو الأفضل.

حكم العسكر

يعتبر الشعب الجزائري ماسكًا بزمام الأمور، وقد حقق إلى الآن الكثير من أهدافه، لكن هذا لا يحجب الدور المتقدم للجيش أيضًا وقد رفضت عديد الأطراف تدخل الجيش في الحياة السياسية، فجاء رد الجيش بأنه يقوم بمهامه الدستورية، حيث يمكن الدستور الجزائري الجيش من صلاحيات واسعة، كما أن إرث هذا الجيش المرتبط بمحطات نضالية عاشتها الجزائر والتصاقه بالسلطة منذ الاستقلال قد يفتح أمامه أطماع حكم الجزائر مباشرة -خاصة بعد إشارة قائد صالح- بأن الجيش قد يتخذ أي إجراء يراه مناسبًا لحماية الشعب وتنبيهه مؤخرًا بأن الوقت بدأ يضغط. قد يكون التخمين بسعي الجيش إلى السطو على ثورة الجزائريين والانقلاب عليها مستبعدًا، لكن يظل خطرًا من الواجب الاحتياط منه. يبقى هذه المخاطر بعض ما قد يحاك لثورة الجزائر، خاصة بالعودة لدور الجزائر ومكانتها في المنطقة وسبيل النجاة من المؤامرات يكمن في وحدة صف الشعب الجزائري وعقلنة تحركاته ومطالبه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد