رؤية قرآنية مقاصدية عند الإمام محمد عبده

ما زلت متأثرًا بالرواية الرائدة الرائعة (لم يهزمني لكنه بقي وحيدًا) حبكة واقعية تمتاز برشاقة أسلوبية، ولغة وإبداع، ونكهة أنثوية عاشقة مظلومة، وقد توقفت عند عبارة المؤلفة الدكتورة زيزيت عبد الجبار الروائية الطبيبة المبدعة بامتياز وهي تصف الطلاق بأحرفه:

-طاء: طوق العبودية الذي يلبسك إياه المجتمع.

-لام: لام الذل التي تختال بينهما وتنهش كبرياءك وتلصق بك تهمة أنت بريء منها.

-ألف: ألف السيف الذي يقتل روحك.

-قاف: قطع حبلك السري عن الحياة الطبيعية.

ولعل إدراك الإمام محمد عبده للأذى المعنوي الذي يلحق بكل من الرجل والمرأة من جراء الطلاق دفع به لأن يثني على تلك الأمنية الطيبة عند بعض أهل الشرائع من استدامة عقد الزواج مدى الحياة فيقول:

(إن من أماني الأمم الصالحة أن تكون عقدة الزواج عندها عقدة لا تنحل إلا بالموت)، ومع هذا التنويه إلا أنه يقول: (مما تجب مراعاته أن الصبر على عشرة من لا يمكن معاشرته أمر فوق طاقة البشر)[1].

ومن ثم نجده يرحمه الله تعالى يصرح بأنه (لا يجمل فينا أن ننتظر ذلك الزمان الذي يبلغ فيه النساء بالتربية والتهذيب، ما يملأ قلوب الرجال من توقيرهن واحترامهن, بل يجب على كل من يهتم بشأن أمته أن ينظر في الطرق التي يخفف من مضار الطلاق)[2].

ترى كيف ينظر الإمام محمد عبده إلى فض العلاقة (الزوجية) المقدسة وحل عقدة التشابك الروحي والشعوري والعقلي وتصفية شراكة الزواج؟!

وأطل صوت الأزهري محمد         يفري التراث لكي يميز أصيلا:

يا من يحقق للكرى مخطوطة           أشقيت قومك إذ سكنت طلولا

ارفع جبينك للسماء معانقًا              ألم الأنـام تحقق المأمـولا

ارفع جبينك للسماء محلقًا              تكشف لنا المستقبل المجهولا

إن المحقق من يشق يراعه                  كبد الظلام ولا يهاب قتولا

ليس المحقق من أجاد هوامشًا            وحواشيًا تدع البصير كليلا

يرى الإمام محمد عبده أن اللائق بالعقلاء أن ينظروا (في الطرق التي تخفف من مضار الطلاق)[3] ولذلك نجد الشيخ الإمام محمد عبده ينقد الواقع الجاهل والمستعجل، والمستهتر في الطلاق ويخالف المشهور في كتب الفقه ويؤكد على ترابط الحكم الشرعي بمقاصد الدين من حفظ الحقوق والرحمة وإقامة العدل:

(نحن في زمان أَلفَ رجال فيه الهذر بألفاظ الطلاق, فجعلوا عصم نسائهم كأنها لعب في أيديهم يتصرفون فيها كيف يشاؤون ولا يرعون للشرع حرمة ولا للعشرة حقًّا).[4]

في إطار مقاصد الشريعة، لماذا أحل الله سبحانه وتعالى الطلاق؟ ولماذا جعله أبغض الحلال؟

الزواج نموذج حي لمؤسسة إسلامية يستهدف الإجابة على مشكلة جوهرية: كيف يوفق الإنسان بين تطلعاته وأشواقه الروحية وبين حاجاته المادية، وكيف يحافظ على العفة دون أن يتخلى عن الحب.[5]

تقوم فلسفة تشريع الطلاق على سنة حياتية فطرية واقعية إذ ليس من الضروري كما يذكر د. يوسف القرضاوي: أن ينجح كل زواج، قد يتزوج الإنسان وقد يظن أن هذا الزواج قد ينجح ويوفق، ولكن يتبين عكس ذلك، قد يكون هناك:

  • خلاف في الطبائع أو العادات أو التقاليد أو المفاهيم.
  • قد تدخل منغصات شتى على الحياة الزوجية فتحيلها لجحيم لا يطاق.

إذا لم يشرع الطلاق في هذه الحالة فستكون النتيجة أن يعيش الإنسان مع من يكره، ويكبت غيظه، وهذه ليست حياة، قد يستمر ذلك سنة أو اثنتين ولكن من المستحيل أن يستمر طوال العمر. قد قال حكيم قديمًا (إن من أعظم البلايا مصاحبة من لا يوافقك ولا يفارقك)، وعبر عن ذلك الشاعر الكبير أبو الطيب المتنبي وقال:

ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى          عدوًا له ما من صداقته بدُّ[6]

ومن هذا المنطق التفسيري لمشروعية الطلاق نلاحظ أن الإمام محمد عبده لا يجيز فكرة الزواج الذي لا انفكاك فيه أو منه لأنها فوق طاقة البشر، ولكنه ومع هذا ينهى عن الاستخدام التعسفي لفكرة الطلاق لأن الطلاق حلال مقيد بشروط حيث يقول:

(إن إباحة الطلاق بدون قيد لا تخلو من ضرر، ولكنه من المضرات التي لا يستغنى عنها ويكفي لتسويغه أن منافعه تزيد عن مضاره، فإن كل نظام لا يخلو من ضرر والكمال التام في هذه الدنيا أمر غير مستطاع)[7]. ويتشدد الشيخ محمد عبده في تبيان ماهية الطلاق وعواقبه فيصرح محذرًا من الاستخفاف في إيقاعه:

(الطلاق عمل شرعي يترتب عليه ضياع حقوق وإنشاء حقوق جديدة، والاستخفاف به إلى هذا الحد أمر يدهش حقيقة كل من له إلمام ولو سطحي بالوظيفة السامية التي تؤديها الشرائع في العالم)[8]

والعلم ليس مدارسًا ومناضدًا             تروي القديم وتحفظ المنقولا

علم بلا فكر وتجربة معًا                      كغثاء وديان يسد مسيلا

قل للذي حسب الدروس رواية          حفظ المتون وردد التسجيلا

إن المحاضر مبدع متحرر                   كشف الخبيء وعلم المجهولا

بلوى الديانة من حفيظ قاعد               لم يدر أحداثًا غدون شكولا

من يجهل الدنيا وأحوال الورى                لن يفقه التحريم والتحليلا

لا تحفظوا تلك المتون بل احفظوا      متن الحياة لتفهموا التنزيلا[9]

يعرف الإمام محمد عبده الطلاق بأنه: (عمل يقصد به رفع قيد الزواج).[10] وقد تبعه الفيلسوف عباس محمود العقاد واصفًا الطلاق بأنه: (قسوة مكروهة).[11] ونجد الصياغة الفقهية كما جاءت على لسان الإمام القرضاوي تؤكد: (أن الأصل في الطلاق الحظر، وإنما أبيح لحاجة وضرورة أو دفع ما هو أشد منه، فهو ارتكاب أخف الضررين وأهون الشرين، الطلاق شر والبقاء في عشرة غير مجدية وغير محببة ضرر أكبر وأطول. فهو ليس حلًا على الإطلاق، فإن الله عز وجل جعل التفريق بين المرء وزوجه من عمل السحرة الكفرة يقول تعالى: «فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه» فهذا يعتبر من الكبائر وجاء في الحديث، أن إبليس – لعنه الله – يجمع جنوده ويسألهم كل يوم عن حصيلة المكايد الشيطانية، فيقول أحدهم ظللت وراءه حتى شرب الخمر، فيقول يوشك أن يتوب ويتركه، ويقول آخر ظللت وراءه حتى لعب القمار، فيقول يوشك أن يتوب ويتركه، وآخر يقول ظللت وراءه حتى طلق امرأته، فيقول له أنت أنت ويضع على رأسه التاج. لأن وراء هذا آثار كبيرة وخطيرة وانهيار وتفكك وتشرد أسرة. من أجل هذا لا ينبغي للمسلم أن يلجأ للطلاق إلا مضطرًا، فإن اضطر فهذا حكم الله).[12]

وقد استمر علماء الاعتدال وفقه الوسطية في تأصيل ربط الحكم الشرعي (الطلاق) بمقاصد الدين في رعاية الحقوق والرحمة بالخلق وقد رأينا أن الإمام القرضاوي (يرجح الاستمرار في التضييق في إيقاع الطلاق)[13] معللًا بأنه علينا أن نبقي على الأسرة ولا نهدمها لأول وهلة أو نزوة، وهذا من حكم التشريع.

وفي نقد علمي وتصريح مباشر يقول الإمام يوسف القرضاوي: أنا ممن يضيقون على مسألة الطلاق، هناك من يوسع في إيقاع الطلاق، فهناك من:

1-يوقع الطلاق المكره.

2- هناك من يوقع طلاق السكران.

3- البعض يعتبر إيقاع طلاقه عقابًا له، ولكننا بهذا نعاقب الأسرة وليس عقابًا له وحده، فأنا مع سيدنا عثمان بن عفان والتابعين له الذين قالوا بعدم وقوع طلاق السكران.

4- هناك من يوقع طلاق الغضبان، ولكني مع الذين لا يوقعون طلاق الغضبان.

5-هناك من يوقع الطلاق الهازل، المذاهب الأربعة توقعه ويرددون حديثًا (ثلاث جدهن جد وهزلهن جد، الطلاق والنكاح والرجعة) ولكن هذا الحديث قال ابن يقظان إن راويه مجهول ولا يبلغ أن يكون حديث يثنى عليه.

قاعدة: (أن نعامل الهزل معاملة الجد) قد يقع هذا قضاءً، إنما بينه وبين الله في رأيي لا يقع، كما لا يقع الخطأ «وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم»، «إن الله وضع عن هذه الأمة الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه».

6-الإمام البخاري في صحيحه لا يوقع الطلاق في هذه الحالات ويروي كلمة عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما (إنما الطلاق عن وطر) أي عن حاجة، فالإنسان لابد أن يكون له هدف وحاجة ونية عن الطلاق، كذلك ما ذكره ابن تيمية وابن القيم من أن الطلاق الذي يراد به اليمين كأن يقول: (علي الطلاق…) وقد يكون الخلاف بين الرجل وآخر في مكان ما ويجد نفسه وقد وقع الطلاق، أنا لا أوقع هذا الطلاق، أو كذلك طلاق المعلق ويراد به التهديد.

7-الكثير يفتي بمذهب ابن تيمية بعدم وقوع الطلاق، إنما فيه كفارة يمين، مثل تحريم الحلال، كما قال تعالى: «لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك» ثم قال: «قد فرض الله لكم تحلَّة أيمانكم»،وهذا يرجح أن تحريم الحلال فيه كفارة يمين وهي إطعام عشرة مساكين فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، ولا تعتبر المرأة طالقًا.

8-أنا من أنصار التضييق في إيقاع الطلاق، كذلك الذي يطلق بالثلاث، البعض يوقعه، وأنا لا أوقعه،[14] وهذا من أسباب زيادة الطلاق، إن مثل هذه الطلاقات تقع، ولكي يراجعها لابد من محلل، وهذا فيه مشكلة، ففي كثير من الأحاديث صححها كثير من العلماء «لعن الله المحلل والمحلل له» واعتبر كالتيس المستعار، فهذا توسع في إطار الطلاق أدت لزيادة ضحايا الطلاق، القرآن جعل الطلاق مرة بعد مرة، فقال: «الطلاق مرتان، فإمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان»، أعطى للإنسان فرصته، كذلك ما حدث أيام سيدنا عمر رضي الله عنه أن الطلاق إذا كان بثلاث لفظات أو في جلسة واحدة، يقع مرة واحدة، فكان هذا في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وفي خلافة عمر أوقعه لعقوبة الناس (هم استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أنا أمضيناه عليهم وفعل هذا) ولكن في نهاية عمره ندم على هذا، فهو قد جعلها عقوبة تعزيرية. فنحن مع المذهب الذي يضيق نطاق الطلاق، ونجد أن هذا هو اللائق بروح الإسلام ومبادئه في الحفاظ على الأسرة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد