شكرا للمُطبعين الذين عَززوا صِبغة الانتقام في روح هذا المحتل الصّهيوني. الذي لم يكن يتوانى لحظة في تدمير وقتل كل ما هو فلسطيني. الذي عَمد مُذ احتلالنا سَرقة كل ما يَخصُّ فلسطينيتنا. سرق الأرض والشّجر والحجر والمقدسات والأماكن، والتراث والأطعمة، وَ طمس مُعظم المعالم التي تُعبر عن تراثنا وديننا، وَهدم كثيرًا من المباني التي تُرّسخ الوجود الفلسطيني، مُحتجًا بمصادرة الأرض التي أقيم عليها هذا المبنى، أو أنّها ملك لدولتهم المزعومة.

منذ متى لكم دولة وعمر أصغر شجرة في حقل جدِّي أكبر من دولتكم؟! منذ متى ولكم دولة وعمر أقدم مبنى في حينا أكبر من تاريخ كيانكم؟ ! منذ متى لكم دولة وأنتم مُجرد لصوص أتووا من بقاع الأرض لسرقة أرضنا وتراثنا، وَ توهمتم أنّكم بذلك أقمتم دولة وأخذتم تجلبون الدّعم لها، وَتبحثون عن التطبيع هُنا أو هناك، ظنكم بذلك أنّكم حققتم ما تخططون له.

الأمر ليس كذلك، لا يمكن لكيانكم هذا أنْ يستقيم على أرضنا إلا إذا دفنت آخر حيٍّ فلسطيني، ولا يمكن لكم تجاوز الفلسطيني وإنْ كان العالم كُلّه جانبكم، فمن لا يملك في وطننا شبرًا لن يملك أنْ يُقرر عن أصغر طفل فينا.

حقوقنا محفوظة، ومطالبنا لن تتغير، وَحريتنا سنأخذها يومًا، وإنْ عمَّقتم القتل فينا وأكثرتم الهدم، وَحسبتم أنّكم استحوذتم على بلادنا وأرضنا.

بالأمس حين جاءت مُعداتكم الثّقيلة  بالبواجر والجرافات وغيرها وَهدمت مبنى مكون من شقتين وقاعة، تُقدر التكلفة المبدئية لبنائه بثلاثة ملايين شيقل، جاءت خفافيش الليل، حين أيقنتم أنّ النّاس نيام، بعد منتصف الليل شرعت تلك المعدات بالهدم، وما هذا إلا لأنكم اعتدتكم العمل ليلًا كالخفافيش كما قلت، لأنّكم لا تجرؤون على العمل في وضح النّهار، خوفًا من ردات الفعل التي قد تجدونها، من هذا الفلسطيني الأعزل، وبالرغم من عدتكم وعتادهم إلا أنّكم لا تستطيعون مُجابهة فلسطيني أعزل لا يمتلك إلا الحجر، ثم يأتي بعض من جلدتنا ليوهم شعبه ومن معه بالصلح أو بالسلام،

ولم أجد وصفًا يليق بهم سوى «أعمى الله يصيرتهم كما أعمى أبصارهم»، لم يُشاهدوا تلك المأساة، لم يسمعوا عمّا يفعله المحتل، لا أدري كيف يطمئنون لقوم جادلوا الله في بقرة، وعذّبوا الأنبياء، لا أدري أي عقل قد حُمّلوا؟!

بالأمس بينما جلس الرّجل على أنقاض مبناه المُهدّم وأخذ يبكي وَيصك وجهه كما لو دُفن أحد أبنائه للتو تحت الأرض، تُدرك معنى أنْ يُقتل الفسلطيني دون أرضه ولا يسلمها، تُدرك أنّه لا يحسب حساب شيء مادام متمسكًا بأرضه وإنْ كانت قطعة بور لا يستفيد منها، يُقتل دونها حتى تمتزج دماه بترابها.

تدرك أنّ كل ما يحدث حوله مجرد وهم، وهو الحقيقة الوحيدة في هذا الصّراع، مادام متمسكا بأرضه، لا يستطيع شيء اقتلاعه، لأنّ جذوره قررت الاتحاد مع أرضه، صرحت الأم بأنها ستعيد بناء غرفة صغيرة فوق الأنقاض، وليأت هذا المحتل يهدمها على رأسها، لا يمكنك أنْ تجزم بما يفكر به صاحب الحق أو بردة فعله، فالمأساة قد تولد ردات فعل يعجز عنها أعتى الأقوياء، صاحب الحق أبصر وإنْ كان ضعيفًا.

في اليوم التّالي لهدم المبنى وقفت طويلًا أمام الرّكام، أشعر بغصة تقول لي : إنّ محتلًّا كهذا يُصرّ دومًا أنّ يترك فينا وفي الأجيال القادمة ما يُذكرنا بوحشيته وهمجيته وَجبنه وكيف يختبئ خلف معداته وعتاده ليسحق ويقتل، لن نتوقف لحظة عن مُقاومته، لن نشعر أنْ صلحًا حقيقيًّا يمكن أنْ يحدث معه

في اليوم التّالي لعلمية الهدم، كانت معالم الجريمة تأخذ من نور الشمس لتستطيع في الأنحاء، إذ تدافع النّاس والصحافة والإعلام من كل صوب وحدب، كان البعض غير مصدّق غير تجاوز هذا المحتل قرارات المحكمة التي يدّعون ملكيتها، ليفعلوا فعلتهم تحت جنح الليل، كيف رموا بقرارات المحكمة خلف ظهورهم؟ هذا المحتل لا تلجمه قوانين ولا يعرف نظامًا؟

هذا المحتل عبارة واحدة تنطق عليه «ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة».

فشكرًا للمطبعين مرة ثانية الذين فتحوا شهيته على زيادة الهدم والقتل والتضييق، وأعطوه دعمًا وتأييدًا ليزداد وحشية وتغولًا، ونزداد نحن يقينًا بحقنا.

ففي صباح الليلة التي هدم بها هذا المبنى جانبنا هدمت بيوت في مناطق مختلفة، بيوت تشرد أصحابها.

والحجة التي اعتدنا عليها أنّها غير مرخصة، أو أنّها مقامة على أرض مُصادرة، فحجة مُصادرة الأرض لصالح المستوطن الذي جاء من مختلف بقاع الأرض، لِهدم بيت صاحب الأرض وَ يعمر هذا المستوطن بيته فوق أنقاض بيت صاحب الأرض، هي حجة دائمة اعتاد الفلسطيني على سماعها

وَيظل الصّراع قائمًا حتى زوال هذا المحتل ومن يدعمه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد