رسائل من فوق الماء

فليكن من بين البشر من لهم صباحهم المتكرر، من لا يخرجون أبدًا خارج إطار التكرار، من لا يصح أن نفكر لهم في كلمة أخرى غير التكرار كي نصف ما يصنعوه في أنفسهم من تكرار، ذاك لأنهم لم يضجروا من أنفسهم بالقدر الكافي حتى نفكر لهم على كلمات مثل روتينيين، أو بيروقراطيين، هم لا يؤمنون إطلاقًا بأنهم يتكررون بلا قيمة، بأننا من قبل أن نلقاهم نعلم عنهم كل شيء، أنهم هؤلاء الموظفون الذين اعتقدوا أنه أول أيامهم في العمل، بينما كل المواطنين الذي عبروا على مكتبه قد وصفوا إلى أحفادهم ملامح ذاك الموظف ومدى مرارة المعاملة التي يجب استخراجها من خلال قيام ذاك الموظف التكراري بوظيفته التكرارية!

حتى لا أكون مبهمًا، لك أن تعلم في مفتتح الأمور أن هذا العالم الحديث تأسس بناء على جلسة شاي في أحد المقاهي الجانبي التي جلس عليها أحد السياسيين النازيين ومُخبر حديث العهد بوظيفته، لم يكمل فيها يومًا حتى أصبح من أودلف هينتلر إلى أودلف هتلر أن عزيزنا الذي كان يراقب دريكسلر الذي كان من أهم الخُطباء لذاك الحزب، والذي مهد إلى رجل الخُطب التالي.

وبناء على ما أقوله من تلك الحقيقة التاريخية السخيفة، أن هتلر لم يكن ذا فكر إطلاقًا، هتلر فقط كان شخص يعتقد أنه لديه فكر، وفي الحقيقة كان هتلر لديه قدرة على الإقناع أكثر من أي شيء آخر حتى أنه لم يقرأ كتابًا، ولم يبحث في ثغرات معارضيه، فقط ظل يتحدث إلى الجماهير عن ألمانيا! تلك التي قام ببنائها أوتو فون بسمارك كأعظم قوى صناعية واقتصادية في العالم، كان هتلر يكتفي فقط بأن يقول للناس عن مدى ما وصلوا له من سوق أحوال وما تركوه من مجد فقط، كان يعدهم بعودة كل ذلك فقط بما يراه حتى أن لم يوضح كيف الذي يراه ذاك قد يعيد إلى الألمان المساكين ما اضاعه القيصر المهزوم في الحرب الأولى!

ولذلك يا عزيزي القارئ، يكفي أن أقول لك إنه ليس فقط العالم قد ينتج من خُطبة شخص أبله لا يفقه شيئًا، بل رغم وضوح حقيقة مثل تلك وضوح الشمس، لتجد من بين الناس من يفتخر بهتلر، بل من الناس تحديدًا من يحتقر كلامي فقط؛ لأنه يصرح بمدى جهل الشخص الذي غير مسار العالم لفترة طويلة، بل من غير ميادين المعارك من بين القادة العسكريين إلى القادة السياسيين.

وما وضحه لنا هتلر، هو أن العالم لديه من يصدقوا أنفسهم حد أنهم يصنعون آلاف البشر من الذين قد يصدقون في أنفس هؤلاء البلهاء، وآخر ما يضيفه هتلر أنه بالرغم من قراءة التاريخ والتمعن فيه وحُمى تكراريته، إلا أن البشرية لم تدرك بعد حقيقة وجود هذا النوع من البله والعته والتعسف ذاك أن من بيننا من يفتخر بهتلر وغيره من قتلة الشعوب، ولكنني لن أناقش القضايا السياسية قدر الفكر والعقل في هذا المقال، ولذلك سأكتفي بذكر أسم هتلر من بين قتلة الشعوب الذين أعرفهم وتعرفهم يا عزيزي القارئ.

دعني أطرح لك الشق الثاني هو أن العالم الذي نعيشه اليوم ضحية نفسه من حيثُ التكرار ومحدودية الاستبيان، ونحنُ أبناء العالم الثالث، نُحن يا عزيزي من بين ابناء العالم الثالث ذوي اللغة العربية، ضحايا التحرير العربي من القوى الاستعمارية بتلك المحاولات اليائسة بما أسموه يسارًا، أفضى بأحد الدول إلى أعوامها المباركة، وأفضى في آخر إلى برلمان التوريث الجمهوري، نغرق حد الموت فيما أعنونه (فقر الوعي والرغبة في التطوير).

وما أعنيه من فقر الوعي لا يتعلق بمعرفة بديهيات الأمور، ولكن مقصدي من الوعي هو أن يعي المرء ما حوله، والفقر الذي أعنيه في الرغبة في التطوير لا يعني انعدامها إطلاقًا، ولكن حقيقةً ما اراه من محاولات هي تظل محاولات توضح صدق فاعلها، لكن لا تدل إلا على فقره اتجاهها! لذلك دعني أوضح لك بعض الأمور على حساب ما أراه دونما ما نراه جميعًا.

لا يوجد جامعة مصرية لا تذكر أن أبناءها عليهم القيام بأبحاث علمية من اجل مرور الفصل الدراسي بسلام، جميع تلك الجامعات تقوم بتلك الأبحاث القائمة على أن يقرأ الطالب تلك الأوراق التي يعيد كتاباتها بصيغة أخرى، والتي سرعان ما ينساها حينما يناقشها، بينما قد يرى دكتور الجامعة أنه هكذا قد قدم إلى المجتمع مشروع باحث علمي!

وما يُمكن أن يقال على ذلك أنه مُفتاح إلى تعريف الهتلرية، والهتلرية يا عزيزي هو أن تؤمن بما تفعل حتى أن لم يكن ذا نفع حقيقي، وأن تعتقد دائمًا أنك على صواب، وأن تعتمد طوال الوقت على فن الخطابة، وأن تجد هؤلاء الذين يعتقدون أنك تمشي على الطريق الصحيح، إذ كانت تلك الشروط جميعها يتمحور حول قدرتك على تغير العالم.

الهتلرية ها هنا أن ترى انك من الممكن أن تُخرج للعالم باحث في جميع أمور الحياة، ذاك بأنك تهدي للطلبة تكاليف مستمرة حول البحث في مختلف الأشياء، في مستوى معين، ذاك المستوى أنت تراه يليق لباحث، لطالب لم تسأله من قبل أن كان يريد أن يصبح باحثًا أم لا!

وما يُساند هتلرية الفرد هو إيمان من هم أقل منه وإهداؤه شرعية استمراريته من حيث إن الجميع يرون أن تلك الخطوات قد تجعلنا فيما بعد من الدول المٌتقدمة، بالرغم من مدى الابحاث التي يُنتجها طلاب الجامعات في السنة الواحدة تقريبًا لم يخرج من بينهم شخص واحد من أجل أن يقدم أي شيء ذا قيمة جديدة أو توصل إلى أي شيء قد يُحترم تقريبًا بالنسبة للعالم الخارجي.

وما يجعلنا نقول صراحةً إنهم هلاتر متكررين مملين مؤمنين بأنفسهم لديهم جماهير من الغوغاء واللامنطقيين ومن يؤمنون فيهم حد أنهم لا يشكون إطلاقًا فيهما مهما نتج عن أفعالهم، ولن يتغير مصيرنا المثير للشفقة من تدهور وجهل وفقر الرغبة في التطوير إلا أن ينتهي هؤلاء الموتى، أن ينسى هؤلاء الموتى موتهم!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد