ها نحن بلهف وشوق ننتظر قدوم شهر رمضان المبارك بروحانيته الرائعة، ننتظره وفي قائمة مهامنا الكثير من الطاعات المؤجلة والتوبات المؤخرة، معتقدين أن رمضان هو الموعد الأنسب لإحداث كل هذا.

من المعلوم بالضرورة أن أجواء رمضان الإيمانية وظلاله القرآنية أكبر المحفزات للتحرك خطوات وخطوات في مسيرة فرارنا إلى الله، فمضاعفة الأجور لكل الطاعات في رمضان وتغير سلوك المجتمع المحيط بنا للأحسن فضلًا عن الصيام نفسه الذي يهذبنا = هذا كله مما يقوي عزائمنا وينهض بإرادتنا.

ولكن ثمة استفسار: لماذا لا يتأثر كثير منا برمضان؟ ولماذا لا ينعكس حضور رمضان على صلواتنا بالخشوع وعلى أخلاقنا بالأدب وعلى قرآننا بالتدبر؟ بل وصل الأمر إلى حد نشاط بعض المسلمين في المعاصي مثل متابعة المسلسلات وخيانة أمانة العمل والتفريط فيه، هذا الاستفسار ليس من باب التخيل ولكنه واقع نحياه ونعاني منه.

يبدو أن فكرة انتظارنا لرمضان باعتباره مخلصًا ومنقذًا سينتشلنا من وحل الخطايا ودنس الدنايا إلى سندس الطاعات واستبرق القربات، يبدو أن هذه الفكرة الخاطئة هي أول أسباب عدم تغيرنا في رمضان، لأن هذا الانتظار السلبي لا ينتج عنه إلا خسارة رمضان تلو رمضان، تمامًا كمن ينتظر موت أحد أحبابه أو حدوث مصيبة لكي يستقيم ويرجع إلى ربه منيبًا.

كثيرون يراهنون على حدوث مصائب أو عجائب أو إتيان مواسم زمنية لكي يستفيقوا ويرجعوا إلى ربهم، ظانين أنهم بمجرد ورود الرسائل الربانية -مصائب كانت أو مواسم- سيستقبلونها بالتوبة والإنابة، وهذا وهم، لأن الاستفادة تكون على قدر الاستعداد القلبي الذي يضمر بالغفلة والتسويف، وعلى قدر التخطيط الدقيق لتحقيق الاستفادة القصوى من موسم الطاعة.

إن التجارب السابقة أثبتت أن المصائب ومواسم الطاعات لا تؤثر إيجابيًّا إلا على القلب النقي صاحب الرصيد الإيماني، وإن قل،كما أنها لا تؤثر إلا على من استعد لها وأعد العدة للاستفادة منها، أما أولئك الكسالى المنتظرين لإناء الماء أن يروي ظمأهم دون أن يكلفوا أنفسهم عناء إمساكه ورفعه على أفواههم، فلا يكون حظهم من مواسم الطاعات إلا خسارة أيام من رصيد عمرهم المحدود.

لقد حرضتنا النصوص وأفعال السابقين كثيرًا على المسارعة لفعل الخيرات، وخير ما يحفزنا لهذه المسارعة هي فجأة الموت وغياب موعده عنا، فما يدريك أن رمضان الذي تنتظره لتفعل كذا وكذا سيأتي عليك، كيف بك إذا جاءك وأنت ميت؟!

أخبرتك بهذا لتعلم أن قرار تغيير نفسك والفرار إلى الله لا يحتاج إلى مواسم بقدر ما يحتاج إلى صدق إرادة منك، أنت بحاجة إلى التحرر من هوى نفسك وتكاسلها أكثر من حاجتك إلى تناوب مواسم الطاعات عليك حينًا بعد حين، فإذا ما صدق عزمك أتت مواسم الطاعات عليك بالخير الوفير وضاعفت عملك، وذلك كالمطر يهطل على الأرض الطيب فيزيد إنتاجه من الحصاد، أما الذي خبث من الأرض فلا يزيده المطر إلا نكدًا.

وهذا ليس مدعاة لأرباب المعاصي والمسرفين على أنفسهم لييأسوا ويقنطوا من جدوى التأثر برمضان والتغير فيه نحو الأفضل، ولكنه مدعاة لهم أن يستقبلوا رمضان استقبالا غير الذي اعتادوه ولم يرجع عليهم بفائدة، أن يستقبلوا رمضان بحُلة الشوق إلى الأنس بالله وقربه، وبلباس الخوف من الله والوجل من معصيته، وأن يستبشروا بأن رمضان فرصة طيبة للتخلص من سيئ العادات والتخلق بأحسنها إذا ما توافر العزم القوي والإرادة الفتية.

إن استقبال رمضان بهذه النفسية الإيجابية الباعثة على العمل جدير بإحداث نقلة نوعية في حياة أي شخص، كما أن هذا يعصمه من تضييع رمضان كما ضيع رفاقه السابقين، بالإضافة إلى عدم الفتور بعد مرور بضعة أيام من رمضان أو بعد نهاية رمضان نفسه عن العادات الحسنة التي اكتسبها والقرب من الله الذي ذاق حلاوته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد