في خضمّ ما يعيش على وقعه المجتمع الجزائري هذه الأيّام من احتجاجات معبّرين عن رفضهم للوضع السائد، ليس لأسباب سياسية فحسب، بل لأسباب اقتصادية واجتماعية أيضًا. ترشّح الرئيس الجزائري افتراضيًا وهو بحالة مرضية قطرة أفاضت كأس صبر مجتمع جسور ظنوا أن العشرية السوداء ستجعله لا مباليًا ومكتفيًا وصامتًا. وكالعادة أسال هذا الموضوع الكثير من الحبر وقيل فيه وعنه وحوله الكثير، وضع لا يُعلم ما قد يكون له من تبعات في المستقبل القريب أو البعيد، والتنبؤ بمآله شبه مستحيل لأنّ الجزائر بلد ليس ككل البلدان.

في خضمّ هذا كلّه قد يطرح البعض هذا السؤال: هل مجتمعاتنا فعلًا قادرة على التغيير؟ هل فعلًا نقدر على صنع مستقبل مزدهر؟ والإجابة قد تأتي احتجاجاتنا غير مجدية، تأمين الخبز اليومي أصبح هو التحدي الأعظم.. وقد لا يفوتنا أنّه منذ حوالي الثماني سنوات شهدت بلداننا تغييرًا شبه جذري، ولكن مع الأسف للأسوأ.. عادت ببعض هذه البلدان ديكتاتوريات أسوأ من قبل الثورات، فكتمت الأصوات من جديد وصيّرت الإعلام خادمها من جديد.. بلد حكمه العسكر ويطالب رئيسه بتغيير الدستور حتى يضمن بقاءه في الحكم إلى سنة 2034! إن تجرأت وكتبت «لا» على المواقع الاجتماعية ستكون محظوظًا إذا سجنت فحسب.. وبلدان حكمتها تنظيمات أقل ما يقال عنها إرهابية، فعصفت بها رياح الحروب وقتلت مئات الٱلاف وشرّدت الملايين وصيّرت مدنًا ترابًا.. قد يكون هناك استثناء في تونس، سلمية الحياة وحريّة التعبير، التي ما فتئت عن خلق صراعات في عدة مواقف.. ولكن في المقابل أصبح الاقتصاد أكثر هشاشة ولم تتحقق ما عرفت بمطالب الثورة، فلا تشغيل ولا نمو اقتصادي، بل تضخم مالي وديون ديون.. لكن على الأقل بقيت حرية التعبير والإعلام.

ولا ننسى بلدًا يتوق إليه أغلب المسلمين، ويكافحون كافة حياتهم لجمع أموال لزيارته واستشعار قدسيته، يصبح فيه رجال الدين أبواقًا ومتملقين أو مساجين سيعدمون، ويغتال فيه الإعلامي والحقوقي، ويصرخ فيه أب ملتاع لابنته التي دافعت عن أبسط حقوق المرأة «وا معتصماه» فلا يأتي المعتصم، بل يأتي الحظر.

ولكن لماذا مجتمعاتنا العربية المسلمة بهذه الوضعية المبنية على الجمر إن توقفت خسرت قدميك وإن تقدمت قد تحترق؟

ولماذا نخاف احتجاجات قد تنقلب حروبًا؟ نعم قد تنقلب حروبًا تصيب ويلاتها الجميع.. لماذا نخيّر بين الصمت والموت؟ لماذا وصمنا بشعوب جاهلة لا تفكر؟ أو هل أنّنا شعوب مخضرمة تاهت ولم تعرف للحداثة طريقًا؟ شعوب يتخبّط سياسيوها في متاهة الملك اللامتناهي والجشع غير المبرر ويستنجد عامّته ببحث عن لقمة عيش أو سفر إلى الكوكب الأجنبي.. فعلًا لماذا أوروبا وأمريكا واليابان وغيرها بهذه المكانة، ولماذا تغطّ مجتمعاتنا في نوم عميق، وإن أفقت من نومك فسيُسخر منك أو سوف تعاقب أو سوف تفكر بالهجرة.

السؤال الجوهري على طريقة المفكر شكيب أرسلان: لماذا تأخر المسلمون؟ ولماذا تقدم غيرهم؟، طرحه عليّ أستاذ ألماني مستفسرًا لقد وصل المسلمون الأندلس، الكثير من الاكتشافات التي غيرت مسار العلم إمّا لمسلمين أو بنيت على أفكار علماء مسلمين، لماذا ترزح الشعوب المسلمة تحت وطأة المشاكل اللامتناهية، وأين هي من الثورات العلمية والتكنولوجية؟

لم أستحضر محتوى الكتاب واستحضرت وطأة الاستعمار، ثمّ فكرت إذا كان الاستعمار فحسب فماذا عن اليابان بعد قنبلة هيروشيما؟ وماذا عن سنغافورة بعد انفصالها عن ماليزيا؟ وماذا عن ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية؟

إذًا لماذا تأخر المسلمون؟ ولماذا تقدم غيرهم؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سياسة, مجتمع
عرض التعليقات
تحميل المزيد