ما الفرق بين الخلق والجعل؟ قال الله تعالى «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ» سورة الذاريات. وقال الله تعالى «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لتعارفوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ».

خَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ: أَوْجَدَهُ مِنَ العَدَمِ، أَنْشَأَهُ، صَوَّرَهُ. الخَلْقُ: الإِيجَادُ مِنْ عَدَمٍ، الاِبْتِكَارُ، الإِبْدَاعُ.

جعَل اللهُ الشَّيءَ: خلقه وأنشأه

وفي التنزيل العزيز: (وجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ )، وجَعَلَ صَنَعَهُ وفَعَلَهُ.

وتأمل صنيع عثمان بن طلحة مع أم سلمة حيث وصفته أم سلمة بأنها لم تر أكرم منه، وكان هذا الصنيع تقوى أودعها الله قلبه في حادثة كانت قبل إسلامه، عثمان بن طلحة له فضل مشهور وهو في الجاهلية حين هاجرت أم سلمة زوجة أول مهاجر في الإسلام تريد اللحاق بزوجها فوجدها تقطعت بها السبل فأوصلها حتى زوجها في المدينة عند قباء في بني عمرو بن عوف وقد امتدحته أم سلمة عندما صارت زوجة رسول الله بعد أن استشهد أبو سلمة بأحد قالت: ما رأيت أكرم من عثمان بن طلحة.

إذا فالتنوع الثقافي وتقبل الآخر واجب على كل أبناء آدم، فتقبل الاختلاف يحتاج لاستيعاب هذا الاختلاف، وكأنها هذا التنوع والتقرب وضوء العقل الذي يرسخ به العبادة، ويتناول توسيع أفق الخلق.

حتى يصلوا لحكمة الحياة التي لا تفرق بين أسود أو أبيض أو عربي أو أعجمي إلا بالتقوى – قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَٰلِكُمْ ۚ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ –  والتقوى منزلها القلب والله المطلع عليه، وبذلك تخلص العبودية لله بالإخلاص إلى مبدأ التقبل والتنوع.. إنه المعنى القدسي من الكتاب المقدس لهذا الكائن المقدس الذي سجدت له الملائكة أجمع.. وكان اعتراض الملائكة عليه أنهم توقعوا منه القتل وسفك الدماء وإفساد الأرض!

ثم يقول الله: «إني أعلم ما لا تعلمون»، ثم يقول الله: «مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ۚ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ» سورة المائدة.

لو ذهبت تتأمل قول الصحابي لصحابي آخر: «يا ابن السوداء» عليك أن تتأمل جيدًا رد الرسول عليه: «يا أبا ذر أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية».

وبعد أن وقفنا نتأمل معنى الخلق والجعل من معاجم اللغة العربية، وأيضًا تأملنا بقلوبنا العبادة وقدسية النفس الإنسانية.. فلنتأمل معنى الجاهلية وقبل ذلك سأقص على القارئ بإيجاز قصة حرب البسوس، ولم سمي عصر ما قبل الإسلام بالجاهلي.

حرب البسوس هي حرب قامت بين قبيلة تغلب بن وائل وأحلافها ضد بني شيبان وأحلافها من قبيلة بكر بن وائل بعد قتل الجساس بن مرة الشيباني البكري لكليب بن ربيعة التغلبي ثأرًا لخالته البسوس بنت منقذ التميمية بعد أن قتل كليب ناقة كانت لجارها سعد بن شمس الجرمي، ويذكر المكثرون من رواة العرب أن هذه الحرب استمرت 40 عامًا.

والجهل في المعاجم

جَهِلَ ( فعل): جهِلَ / جهِلَ بيَجهَل، جَهْلًا وجَهالةً، فهو جاهِل، والمفعول مجهول – للمتعدِّي، جهِلَ عليه: تصرَّف معه بحمق، جَهِلْتُ هَذَا الأَمْرَ: مَا عَلِمْتُهُ، كُنْتُ جَاهِلًا بِهِ، جَهِل الحقَّ: أَضاعه، الجَهْلُ: ( في اصطلاح أَهل الكلام ): اعتِقاد الشيء على خلافِ ما هو علَيه، الجَهْلُ البَسِيطُ: عَدَمُ الْمَعْرِفَةِ بِالشَّيْءِ، الجَهْلُ الْمُرَكَّبُ: الاِعْتِقَادُ الجَازِمُ بِمَا لاَ يَتَّفِقُ مَعَ الحَقِيقَةِ، إِذْ يَعْتَقِدُ الرَّجُلُ عَاِرفًا عِلْمًا وَهُوَ عَكْسُ ذَلِكَ. والجَهْلُ البسيط: تعبيرٌ أُطلِقَ على من يُسَلِّم بجهله. والجَهْلُ المرَكَّب: تعبيرٌ أُطلِقَ على من لا يسلِّم بجهله، ويدَّعي ما لا يعلم.

الجاهلية التي تدفع الأبيض لإيذاء أسود، وتجعل صاحب الإعاقة أضحوكة، وصاحب المهارة المختلفة غريب والمبدع منبوذ، والضعيف مغلوب. هذه الجاهلية التي تدفعنا للعنف، والسخرية والإيذاء، هي المنطقة المظلمة في النفس.

ونختم بقول جبران خليل جبران، القوة تزرع في أعماق قلبي، وأنا أحصد وأجمع السنابل وأعطيها أغمارًا للجائعين. الروح يُحيي هذه الجفنة الصغيرة، وأنا أعصر عناقيدها وأسقيها للظامئين. السماء تملأ هذا السراج زيتًا، وأنا أُنيرُه وأضعه في نافذة بيتي من أجل العابرين في ظلمة الليل. أنا فاعِلٌ هذه الأشياءَ لأنَّني أحيا بها. وإذا منعتني الأيام، وغلَّت يدي الليالي، طلبت الموت. البشر يضجون كالعاصفة، وأنا أتنهد بسكينة؛ لأني وجدت عنف العاصفة يزول وتبتلعه لجة الدهر، أما التنهدة فتبقى ببقاء الله.

البشر يلتصقون بالمادة الباردة كالثلج، وأنا أطلب شعلة المحبة لأضمَّها إلى صدري فتتآكل ضلوعي وتُبرى أحشائي؛ لأني ألفيتُ المادَّة تُميت الإنسان بلا ألم والمحبَّة تُحييه بالأوجاع. البشر ينقسمون إلى طوائف وعشائر، وينتمون إلى بلاد وأصقاع، وأنا أرى ذاتي غريبًا في بلد واحد، وخارجًا عن أمة واحدة، فالأرض كلها وطني، والعائلة البشرية عشيرتي؛ لأني وجدت الإنسان ضعيفًا، ومن الصغر أن ينقسم على ذاته، والأرض ضيقة ومن الجهل أن تتجزَّأ إلى ممالك وإمارات.

البشر يتكاتفون على هدم هياكل الروح، ويَتَعاوَنُون على بناء معاهد الجسد، وأنا وحدي واقف في موقف الرثاء، على أنني أصغي فأسمع من داخلي صوت الأمل قائلًا: مثلما تحيي المحبة القلب البشري بالأوجاع، مثلما تحيي المحبة القلب البشري بالأوجاع، كذا تعلّمه الغباوَةُ سُبُلَ المعرفة؛ فالأوجاع والغباوة تؤول إلى لذَّةٍ عظيمة ومعرفة كاملة.

لأن الحكمة السرمدية لم تخلق شيئًا باطِلًا تحت الشمس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد