لطالما كان مفهوم الدبلوماسية واسعًا ويحتمل الكثير من المعاني، حيث تستخدم هذه الكلمة للتعبير عن ظواهر ونشاطات مختلفة، ولكن يمكن تعريفها بشكل عام أنها تلك الأداة التي تستخدمها الدولة، سواء بصفة رسمية، أو غير رسمية للتعبير عن سياساتها الخارجية، أو هي فن وعلم المفاوضات، تختلف أنواع الدبلوماسية فنجد الدبلوماسية الكلاسيكية، والاقتصادية، وحتى الثقافية.

ولكن هل سمعتم من قبل عن دبلوماسية وسائل التواصل الاجتماعي؟

97٪ من حكومات الدول الأعضاء في الأمم المتحدة تمتلك حسابات رسمية على منصات التواصل الاجتماعي، وخاصة «تويتر»، ورصدت الدراسة أن 951 حسابًا فاعلًا على «تويتر»، بينها 372 حسابًا شخصيًا، و579 حسابًا مؤسسيًا، يعود جميعها لرؤساء دول، أو حكومات، أو وزراء خارجية من 187 بلدًا.

حتى الصين الدولة الاشتراكية التي يحكمها الحزب الواحد، والتي يُعرف نظامها عادة أنها مغلقة لديها علاقة وطيدة بـ«تويتر» منذ 2015 تقريبًا، حيث يمتلك مكتب الإعلام التابع لمجلس الدولة حساب على «تويتر».

ويعتبر دونالد ترامب الرئيس الامريكي من بين أهم الشخصيات السياسية استخدامًا لـ«تويتر»، حيث يحظى بأكبر عدد متابعين على موقع «تويتر» وفي المرتبة الثانية يأتي «البابا فرانسيس» بأكثر من 47 مليون متابع لحسابه، أما حساب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان فيحتل المرتبة الرابعة.

يعتبر ترامب من أكثر الرؤساء والشخصيات السياسية إثارة للجدل، ويتعلق الأمر أيضًا بتصريحاته وتغريداته، فنجد انقسامًا لدى المتابعين ما بين مستهزئين ومستغربين من تغريداته، وفئة أخرى مؤدية لهذه الطريقة في التعبير والتواصل.

وبحسب مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة يُطلق مصطلح «تويبلوماسي» (Twiplomacy على السياسة عبر موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، حيث انتشر هذا المفهوم اعتبارًا من عام 2016، إثر استخدام الرئيس الأمريكي ترامب على وجه الخصوص لموقع «تويتر» بشكل يتنافى مع التعاملات السياسية المعهودة.

لكن هل تعتبر دبلوماسية وسائل التواصل الاجتماعي ممارسة إيجابية، أم أنها تمييع للممارسات السياسية الرسمية المعهودة؟

يَعتبِر الكثير من المحللين ومن النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي أن هذا النوع من الممارسات السياسية الحديثة يعتبر جد إيجابي؛ لأنه يتواكب مع التطور التكنولوجي الكبير ومع عقلية الإنسان، خاصة في هذه الفترة التي شهدت تزايد كبير لاستعمال مواقع التواصل.

يقول مازن الرمضاني، أستاذ السياسة الدولية والدراسات المستقبلية في جامعة صدام العراقية، إن استخدام «تويتر» سياسيًا حديث نسبيًا، لأن صناع القرار يتطلعون إلى مخاطبة الرأي العام، وإيصال رأيهم بشكل مباشر، وبالتالي يستخدمون هذه الوسيلة التي لا تفرض قيودًا على المستخدمين.

لهذا يعتبر «تويتر» و«فيسبوك» منصة مناسبة لكسر الحاجز بين الشعب وصناع القرار، حيث أصبح بإمكان المواطنين التواصل بصفة مباشرة مع الرؤساء والتفاعل مع قراراتهم وأفكارهم بشكل أسهل، وساهم انتشار مصطلح «تويتر – دبلوماسي» في خلق قناة تواصل مباشرة بين المسؤول والجمهور، فلا حاجه إلى وسيط لنقل الرسالة الإعلامية، وهو ما أعطى الرسالة كثير من المصداقية وأخرجها من صبغتها التقليدية.

ولكن على الرغم من وجود هذه الإيجابيات إلى أن الطرف الثاني (المعارضين)، يعتبرون أن هذه المساحة الدخيلة على الدبلوماسية التقليدية، تثير القلق والريبة بوصفها بيئة نشطة لضخ الأخبار المزيفة ونشر الشائعات والمعلومات المغلوطة.

ويمثل الأمن السيبراني تحديًا صعبًا آخر تمثله للدبلوماسية الرقمية بشكل عام، حيث أصبحت تهديدات القرصنة تشكل هاجسًا لدى الدبلوماسيين، وهذا بسبب الفضائح والأخبار التي من الممكن أن تنتشر بسرعة، وتتسرب، ومن الممكن أن تسبب أزمات دولية، بالإضافة إلى تغير في دور الدبلوماسيين، وربما لا يصبح هناك ممارسات دبلوماسية كما شهدناها في الماضي، حيث يعتبر أهم نشاط للدبلوماسي هو تمثيل دولته بشكل شخصي في الخارج، ومع تغير تقنيات الممارسة الدبلوماسية تصبح كبسة الزر كفيلة لإيصال الرسالة دون الداعي للحضور الشخصي، وهذا ما سيفقد الدبلوماسية طابعها المعتاد، ويفقد الدبلوماسي أهميته.

ولكن يمكن للدبلوماسيين أن يتغلبوا على هذه التحديات إذا قاموا بتكييف دورهم ليتناسب مع نظام التواصل الجديد.

لهذا يجب على كل طبقات المجتمع، سواء السياسيين أو المواطنين العاديين أن يكيفوا نشاطاتهم تماشيًا مع التطور التكنولوجي الكبير، فبعد تجربة العمل والدراسة وحتى التسوق عن بعد (عن طريق منصات التواصل) بسبب جائحة الكورونا، أصبح ضروريًا على كل الفئات أن يتعاملوا بشكل أكبر وأكثر احترافية مع هذه المنصات التي كانت في فترة سابقة مجردة ساحة للتعارف وتبادل الآراء.

تجربة دبلوماسية «تويتر» في الجزائر:

تعتبر التجربة الرقمية، وخاصة ما يعرف بدبلوماسية «تويتر» تجربة جديدة بالنسبة للمؤسسات السياسية الجزائرية.

حيث لم نشهد من قبل على استعمال صناع القرار أو السياسيين لوسائل التواصل الاجتماعي ضمن نشاطاتهم السياسية أو للتواصل مع المواطنين، ولم تحظ هذه المنصات باهتمام المسؤولين من قبل.

ولكن الوضع اختلف حاليًا بشكل ملحوظ، حيث شهدنا في الفترة الأخيرة استخدام واسع لوسائل التواصل الاجتماعي من طرف الوزراء والمؤسسات الرسمية للدولة، وحتى من طرف رئيس الجمهورية.

يمكننا أن نعتبر أن سبب هذا التغيير هو الطابع الجديد للتواصل الذي فرضته علينا جائحة الكورونا، مما أدى إلى خلق نمط جديد من الممارسات ودفع كل طبقات المجتمع نحو مواكبة التطور التكنولوجي والالتحاق بتيار دبلوماسية مواقع التواصل الاجتماعي.

وينشط رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون على منصة «تويتر» بشكل ملحوظ ، حيث أصبحت تغريداته بمثابة تصريحات رسمية مباشرة موجهة للشعب في مختلف المناسبات، ومن بين آخر ما نشره هو رسالة التهنئة التي وجهها لرئيس الولايات المتحدة الامريكية جو بايدن، والتي اعتبرها الكثيرون أنها خطوة إيجابية في تفعيل الدبلوماسية الرقمية.

بالإضافة إلى مؤسسة الجيش التي تنشط على «فيسوك» و«تويتر» بشكل كبير وتنشر البيانات الصحافية، ومختلف الأخبار، والتصريحات الرسمية، وتستعرض قدرات الجزائر العسكرية عن طريق نشر مختلف الفيديوهات للأسلحة والعتاد العسكري.

لهذا يمكننا القول إن مواقع التواصل الاجتماعي ساعدت المؤسسات السياسية لتكون أقرب للمواطن من المواقع الإخبارية والجرائد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد