سُعاد ماسِي الخامة النادرة والزخم الموسيقي الفنّي بفم وثلاث أياد

سعاد ماسي مُطربة، شاعرة، كاتبة أغاني، وعازفة جيتار. من مواليد 23 أغسطس (آب) 1972 بالجزائر العاصمة، لكن أصولها تنحدر من منطقة القبائل، تأثّرت بالجوّ الموسيقي العائلي الذي شبّت عليه، فكان لها أن دخلت الفنّ من بابه الواسع، خاصّة باشتغالها على أنواع موسيقيّة متنوّعة مختلفة عن بعضها كل الاختلاف فحقّقت نجاحًا ملحوظًا برُقي صوتها، لباسها، وكلامها، وبفضل أصالتها وتواضعها سحرت الكثير من مُتذوّقي الفنّ، وأسرت الجميع ببساطتها واحترامها، كما غنّت أيضًا باللغتين العربية والفرنسية، وأحيانًا كثيرة بالأمازيغية، إذْ أبدت تفتُّحًا وتعايُشًا مع جميع الثّقافات والمعارف من خلال تنوّع اللّغات واللهجات في أغانيها، رغم هذا فإنّ جمهورها العريض الذي ساندها في مشوراها الفنّي كان الشّعب المصري؛ إذ نجد لها الكثير من الحفلات على أرضه، وما يُثبت إقبالهم وشغفهم بهته الخامة الصّوتية النّادرة هو نفاذ تذاكر حفلاتها في وقت قياسي، ليَحظى أكبر عدد يمكن للمسرح أن يحمله من حضور على كراسيه المحدودة ببلوغ نشوة من نوع خاص تختلف عن أيّ حفلة أخرى يمكن للمرء التّواجد بها. حتّى أنّ آخر تجربة موسيقيَّة خاضتها كانت رُفقة اللّهجة المصرية في أغنية (سلام). الحقيقة الظّاهرة للعيان أنّ أغلب من أثّروا وتأثّروا في العالم العربي والغربي من فنّاني الجزائر هم مغتربون، دون أن تعترف الجزائر بذلك إلاّ أنّها حقيقة مؤلمة، فبعد أن تغرب شمسه في جزائره قبل أن تُشرق، نجدها في كبد سّماء التّألق والنّضوج المُبكر حالما تُبدّد سحب الإهمال والتّهميش بمغادرة المكان الذي لا يعترف بجهود أفراده ومواهبهم.

هي المغنّية التي يصل إحساسها إلى الجمهور في جميع أغانيها قبل أن تصل كلماتها، سواء في أغانيها العامّية الجزائرية: (يالرّاوي احكي حكاية، غير أنت، مسك اللّيل)، والتي خلّدت لنا بواسطتها الفلكلور الجزائري، ومعظم أساطير الشّعب الغابرة وما خلّفوه وراءهم من أشعار وقصص ذات التّأليف الجمعي، أو في أغانيها باللّغة العربية التي مجّدت خلالها مجموعة من أبيات الشّعر لإيليا أبي ماضي، أبي الطّيب المتنبي.. وغيرهما، إذ منحتنا ومنحتهم شرف ترديد وإسماعنا تلك الأبيات بصوتها الذي يفوق القدرة على الوصف والتّحليل.

ومن خلال كلّ ماستسمع لها ستجد أنّ ذروة الإبداع والتّميُّز في لغتها هي حين استطاعت دمج القديم والعصري دون أن يلحظ المستمع ذلك، ودون أن تُنَفِّره من مواصلة الاستماع وإعادة التّشغيل لما يستمع مجدّدًا، ومجدّدًا، لقد أتقنت بجدارة دمج الشّعر العربي مع الموسيقى الغربية المُعاصرة، استطاعت خلق تكامل بين ضِدين – إن صحّ القول – بأسلوب مثاليّ يضع الكثير من علامات التّعجّب، وهذا ما يوصلنا في محطّة ما إلى إدراك حقيقة أنّ الهندسة لم تكن مجرّد تخصّص جامعي لسُعاد، بل سعت لاستغلالها في جميع مناحي حياتها، حيث ظهر ذلك التّناسق جليّا في إعادة هندستها للفنّ العربي والجزائري إحياءً ومحافظةً على ذاك التّراث الأصيل. يمكن للجميع ملاحظة التّناغم الرّهيب بين الكلمات المنقولة إلينا بصوتها الدّافئ والإيقاع، قدرة عجيبة على اللّعب بالجيتار وكأنّه يدها لا محمولًا بيدها، حتّى أنّه في بعض الأحيان تُفقدك هذه المثالية التّركيز، تتركك تائهًا بين ما تفعل بأصابعها وأوتار القيثارة وبين ما يخرج من فمها من صوت عذب ومعاني سامية تُداعب الرّوح، وتدعس على الجروح.

إضافة إلى ما سبق قامت المطربة الفذّة سُعاد بالكتابة والتّأليف عن مواضيع مختلفة: كالأمّ، المرأة، الجزائر، الحنين، الحبّ.. معترفةً أنّها لا تكتب أشياءً لا تُشبهها؛ ممّا يعني أنّها إنسانة قبل أن تكون مُطربةً باحثة عن المال والشُّهرة، وقبل أن تكون: عربية، أفريقية، جزائرية، أمازيغية.

سعاد ماسي هي الفنّ الطبيعي، من غير شدٍّ أو نفخٍ أو شفط، من غير مساحيق تجميل أو تصنّع، رغم تنوّع الطّبوع والثّقافات في الجزائر، إلاّ أنّ سُعاد تبقى مدرسة موسيقيّة قائمة بذاتها؛ لأنّها جعلت الفنّ رسالة وجسر تواصل بين الشّعوب قبل أن تجعله مُتعة أو تجارة. هي تُحفة فنّية، شخصيّة متحضّرة ومثقّفة، عفوية تدخل القلب دون استئذان وبكل ترحيب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد