مدينة سوتشي الروسية ذات المنتجعات الفارهة ستكون إحدى المدن التي سيرتبط اسمها مع السوريين طويلًا، فبعد أن حشدت روسيا لما أسمته مؤتمر السلام السوري في فبراير (شباط) الماضي من هذا العام، والذي فشل فشلًا ذريعًا بسبب مقاطعة العديد من الدول له، ومقاطعة المعارضة السورية أيضًا، عاودت روسيا الكرة مرة أخرى، ولكن هذه المرة مع حليفتها  تركيا بالأستانة، واللتان عقدتا مؤتمر سوتشي حول قضية الشمال السوري المحرر، آخر معاقل الثوار. فهل يا ترى سينجح اتفاق سوتشي الجديد.. أم أن مصيره سيكون كمصير المؤتمر الفاشل؟

ما هي أهم بنود اتفاق أردوغان وبوتين (سوتشي) حول إدلب؟

في السابع عشر من الشهر الفائت أعلن الضامنون في أستانة: تركيا وروسيا، توصلهما لاتفاق حول مدينة إدلب، وبعض المناطق من حماة وحلب واللاذقية، وذلك بعد موجة من التهديدات من قبل النظام السوري وروسيا باجتياح مناطق الشمال السوري، والذي وصفته تركيا بأنه سيؤدي إلى كارثة إنسانية، وأعلنت وقوفها لمنع تلك الكارثة. ونشرت صحيفة سفوبوداسبوفا الروسية النسخة الأصلية من بنود اتفاق سوتشي بين أنقرة وموسكو حول إدلب الذي أعلن عنه في 17 سبتمبر (أيلول) المنصرم. وفيما يلي عرض للبنود بحسب ما أوردته الصحيفة الروسية، تليها صورة الاتفاق الأصلية:

1. يتم إنشاء منطقة عازلة، ويتم تعزيز نقاط المراقبة التركية فيها.

2. روسيا الاتحادية ستقوم باتخاذ جميع الإجراءات الممكنة لمنع الهجوم على إدلب، والمحافظة على الوضع الراهن.

3. سيتم إنشاء منطقة منزوعة السلاح في المنطقة العازلة، بعمق 15-20 كم.

4. سيتم مناقشة حدود المنطقة العازلة بعد استشارات إضافية.

5. خروج الجماعات الراديكالية من المنطقة العازلة بتاريخ 15 أكتوبر (تشرين الأول).

6. سحب الدبابات والراجمات والمدافع والهاونات من طرفي النزاع في المنطقة العازلة بحلول 10 أكتوبر.

7. تقوم القوات التركية والشرطة العسكرية الروسية بدوريات منسقة ومراقبة عن طريق طائرات الاستطلاع على حدود المنطقة العازلة، مع مراجعة تسهيل حركة السكان والبضائع والتجارة وإعادة العلاقات التجارية والاقتصادية.

8. حركة نقل الترانزيت على أوتستراد اللاذقية – حلب، وحماة – حلب ستعود للعمل قبل نهاية العام.

9. اتخاذ إجراءات فعالة لتأكيد وقف إطلاق النار في المنطقة العازلة، وبهذا الخصوص سيتم تحسين وظائف عمل مركز التنسيق الروسي، الإيراني، التركي.

10. أكد الطرفان عزمهم على محاربة الإرهاب في سوريا بجميع أشكاله.

الموقف العالمي من اتفاق سوتشي

إيران وعلى عكس التوقعات كانت أول المرحبين بالاتفاق، رغم محاولة روسيا وتركيا إبعادها عنه، والانفراد به، خاصة بعد قمة طهران التي سبقت الاتفاق، فقد قال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية بهرام قاسمي: إن بلاده ترحب بالاتفاق الذي أُبرم بين تركيا وروسيا حول إدلب. مضيفًا أن «إيران كانت في أجواء الاتفاق بين تركيا وروسيا، وقد تم التشاور معها قبل إعلانه».

أمريكا وألمانيا ودول في الاتحاد الأوربي حذت حذو إيران؛ فهي تعتبر أن الاتفاق جنب الشمال السوري ويلات الحرب، وما سينتج عنها من موجات نزوح نحو أوروبا، ودعا الجميع لدعم الاتفاق وإنجاحه.

 موقف النظام السوري من الاتفاق

نقلت وكالة أنباء النظام (سانا) عن مصدر بخارجية النظام، قوله: الجمهورية العربية السورية ترحب بالاتفاق حول محافظة إدلب الذي أعلن في مدينة سوتشي الروسية مضيفة أن هذا الاتفاق كان حصيلة مشاورات مكثفة بين الجمهورية العربية السورية والاتحاد الروسي وبتنسيقٍ كاملٍ بين البلدين حسب قولها

اتفاق إدلب هو اتفاق مؤطر زمنيًّا بتواقيت محددة وهو جزء من الاتفاقيات السابقة حول مناطق خفض التصعيد التي نتجت عن مسار أستانة التي انطلقت في أساسها من الالتزام بسيادة ووحدة سوريا. نظام الأسد

موقف الفصائل في سوريا

لم يظهر موقف الفصائل العاملة على الأرض واضحًا جليًا على ما تم إقراره في المؤتمر، خاصة مع عدم وضوح بعض المقررات، لكن مع هذا رحب كل من الجبهة الوطنية لتحرير سوريا وجيش العزة وفصائل أخرى كثيرة بما جاء من مقررات واصفين إياه بوقف للمجازر، ومانع لحمامات الدم التي ستراق في حال فكر النظام في اجتياح إدلب، على الرغم من أن هذه الفصائل وغيرها كانت قد أعدت العدة لصد أي هجوم، بل أعلنت أنها جاهزة للصد وللتقدم نحو مناطق في عمق النظام.

تصريحات جديدة من روسيا حول الاتفاق

 بعد أيام قليلة من توقيع اتفاق سوتشي خرج نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف بقوله: إن هذا الإجراء مؤقت، مثلما كانت باقي مناطق خفض التوتر التي أقيمت في إطار اجتماعات أستانة أربعة إجراءات مؤقتة.

وأعرب بوغدانوف في الوقت نفسه عن ثقة موسكو بأن كافة الاتفاقات حول سوريا، بما في ذلك بشأن إدلب، والتي تم التوصل إليها في إطار صيغة أستانة والقمة التركية في سوتشي، ستطبق بشكل كامل.

فصائل عسكرية ترفض الاتفاق

 أعلنت فصائل (جهادية)  عدة، رفضها  الاتفاق التركي – الروسي الأخير بشأن إدلب، وهم (حراس الدين وأنصار التوحيد وأنصار الدين وأنصار الله وتجمع الفرقان)، إضافة إلى فصائل جهادية أخرى، عاملة ضمن هيئة تحرير الشام.

وقالت هذه الفصائل إنها سترفض الانسحاب من خطوط التماس مع قوات النظام، الممتدة من جسر الشغور إلى ريف إدلب الشرقي، مرورًا بريفي حماة الشمالي وإدلب الجنوبي الشرقي، وأبدت استعدادها لمجابهة أي طرف يسعى لسحب سلاحها وإجبارها على الانسحاب من نقاطها.

المشايخ في هيئة تحرير الشام أفتوا بعدم جواز تسليم السلاح *وكالة إباء

من جهتها قالت وكالة إباء الإعلامية التابعة لهيئة تحرير الشام إن مخرجات لقاء سوتشي بين الأتراك والروس تضمنت بنودًا تتنكر لمبادئ الثورة، وتدعو إلى إضعاف الثوار والمجاهدين من خلال خطة نزع السلاح منهم، مشيرة إلى أن من أسمتهم بالمشايخ أفتوا بعدم جواز تسليم السلاح، وهذا يعتبر رفضًا مبطنا من قبل الهيئة للاتفاق الروسي التركي.

توضيحات جديدة لأول مرة عن المنطقة العازلة وجيش العزة يرفض الوجود الروسي والاتفاق

جيش العزة، أبرز فصائل الجيش السوري الحر في ريف حماة الشمالي، رفض تسيير دوريات روسية في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة شمال حماة، مشيرًا إلى أن اتفاق سوتشي يتضمن إنشاء منطقة خالية من السلاح الثقيل بعرض 15 إلى 20 كيلومترًا، يُفترض أن تكون بين مناطق سيطرة النظام ومناطق سيطرة الفصائل، إلا أنه تبيّن لاحقًا أنها ستكون بكاملها ضمن مناطق المعارضة فقط، مطالبًا بأن تقسم المنطقة الخالية من الأسلحة الثقيلة مناصفة مع مناطق سيطرة قوات النظام. ودعا الجانب التركي إلى ألا يكون اتفاق سوتشي كاتفاق خفض التصعيد الذي انهارت فيه المناطق التي كانت تحت سيطرة المعارضة، مشيرًا إلى أن مقاتلي الجيش سيبذلون الغالي والنفيس في سبيل الدفاع عن الأرض. كما نقلت وكالة فرانس برس، عن قائد جيش العزة الرائد جميل الصالح، قوله: نحن ضد هذا الاتفاق الذي يقضم المناطق المحررة ويعمل على إعادة تعويم بشار الأسد.

قائد جيش العزة الرائد جميل الصالح: نحن ضد هذا الاتفاق الذي يقضم المناطق المحررة ويعمل على إعادة تعويم الأسد

القيادي في جيش العزة العقيد مصطفى بكور يشرح سبب بيان جيش العزة بخصوص المنطقة العازلة:

و قال القيادي في الجبهة الوطنية للتحرير، النقيب عبد السلام عبد الرزاق، إن الروس حاولوا الالتفاف على الاتفاق  لتحصيل مكاسب لم تستطع الحصول عليها بطريقة فرض المصالحات، أو بالخيار العسكري. وأكد أن فصائل الجيش السوري الحر كافة، والمدنيين في الشمال السوري، يرفضون دخول أي قوة معادية إلى مناطقهم المحررة، أو أي عسكري شارك في قتل الشعب السوري، فالقوات الروسية هي الداعم الأكبر للمجرم بشار الأسد، ولا نقبل أن تتظاهر بأنها قوة محايدة كي تسيطر على أراض حررناها ودافعنا عنها بالدماء. وعن التبعات السلبية المتوقعة نتيجة قرار المعارضة رفض الوجود الروسي في المنطقة منزوعة السلاح، قال عبد الرزاق: لا أتوقع أن روسيا قادرة على فعل شيء أمام ثوابت الشعب المحقة إلا التدمير والانتقام، وهي لن تفعل شيئًا حاليًا.

وذكر المتحدث باسم الجبهة الوطنية أن اجتماعات بين الفصائل وتركيا جرت من أجل رفض الفصائل لأي تواجد روسي في مناطق الفصائل الأمر الذي تقبلته تركيا وحذفته من بنود الاتفاق (بحسب قولهم) وباشرت بسحب سلاحها الثقيل وبدأت بتنفيذ شروط المنطقة العازلة بالتنسيق مع تركيا بحسب ما صرح به الناطق الرسمي باسمها.

المتحدث باسم الجبهة الوطنية للتحرير: بعض النقاط في اتفاق سوتشي لا تزال موضع خلاف

وما بين هذا وذاك يستمر النظام السوري للترويج لحملته العسكرية على الشمال السوري المحرر حيث ظهر وزير خارجية النظام  وليد المعلم منذ أيام بلقاء تلفزيوني مصرحًا  أن تطبيق اتفاق سوتشي قد بدأ، مشيرًا إلى أن نظامه يفضّل أن يحل موضوع إدلب بما سمّاها الطرق السلمية وبالمصالحة التي جربت في مناطق عديدة من سورية والتي أثبتت نجاحها ونجاعتها، وفق قوله، معتبرًا أن هذا الاتفاق مؤشر إيجابي لإمكانية إعادة الدولة السورية بسط سلطتها على كامل أراضيها، زاعمًا أن من حق الدولة المشروع استخدام السبل الأخرى لاستعادة سيادتها على أراضيها.

آخر تصريحات أردوغان

أكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن بلاده منعت الأسد  من إلقاء البراميل المتفجرة على  إدلب مثلما فعل مع باقي المدن السورية، كاشفًا عن خطته تجاه اللاجئين السوريين.

وقال أردوغان في كلمة له أمام الكتلة البرلمانية لحزب العدالة والتنمية الحاكم: إن النظام السوري كان يرغب في تفجير الشمال السوري وإلقاء البراميل على المدنيين كما فعل في باقي المدن، وهو الأمر الذي قامت تركيا بمنعه.

منعت الأسد من إلقاء البراميل المتفجرة على إدلب مثلما فعل مع باقي المدن السورية *أردوغان

آخر تصريحات بوتين بشأن الاتفاق

قال بوتين: إن منطقة خفض التصعيد في إدلب نقل إليها مسلحون من كافة أنحاء سوريا تقريبًا، واحتشد هناك للأسف عدد كبير جدًا من ممثلي الجماعات المتطرفة، مثل «داعش» و«جبهة النصرة» والتشكيلات المرتبطة معهما، وإننا، (على فكرة)، نشاهد مواجهات بين هذه الأطراف داخل إدلب.

وأضاف: لكن هذا ليس ما يقلقنا، ما يثير قلقنا هو تزايد عدد عمليات القصف في الآونة الأخيرة التي تستهدف البلدات والمدن السورية، بما في ذلك حلب، ثاني أكبر مدينة في البلاد.

منطقة خفض التصعيد في إدلب نقل إليها مسلحون من كافة أنحاء سوريا تقريبًا، واحتشد هناك للأسف عدد كبير جدًا من ممثلي الجماعات المتطرفة، مثل داعش وجبهة النصرة والتشكيلات المرتبطة معهما. *بوتين

إلا أن قلقنا الأكبر نجم عن بدء تنفيذ محاولات منها لمهاجمة المواقع العسكرية الروسية في سوريا، لا سيما مطار حميميم، بواسطة طائرات مسيرة تمثل خطرًا على الرغم من أنها مصنوعة يدويًا. وكنا مضطرين لهذا السبب إلى الرد وشن ضربات على الأراضي التي نبع منها التهديد.

ونوه بوتين أن لولا التنسيق مع شركائه الإيرانين لما تمت هذه الاتفاقية، موضحًا أنه رغم ذلك فلا وجود لعمليات عسكرية على إدلب حاليًا.

فبناء على ضوء الغموض والتصريحات المتضاربة بين الحين والآخر، خاصة الغموض الذي يكتنف حدود المنطقة العازلة، وهل هي فعلًا سوف تقام فقط في مناطق الثوار دون النظام؟ ما هو مصير اتفاق سوتشي؟

وإن كان مؤتمر سوتشي السابق قد فشل حقًا، فماذا تخبئ المفاجآت والأيام القادمة من سينياريوهات لفرص نجاح اتفاق سوتشي من عدمها؟ ربما الأيام القادمة ستكون كفيلة بالرد على كافة تساؤلات الشارع في الشمال المحرر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد