كل الشكر والتقدير لـ«لورد أكتون» صاحب أشهر مقولة تصف وبدقة نتيجة سلوك الحكم الفردي قبل أن يبدأ وهي «القوة المطلقة، مفسدة مطلقة».

قد يسأل فلان لماذا هذا الشكر والتقدير؟ انتظرني يا عزيزي سأخبرك لماذا؟

من طبيعة النفس البشرية الميل للتفرد بالقرار، ولهذا الميل تأصيلٌ قرآنيٌ ﴿كلا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى﴾ ليس من باب الإعجاب، بل من حيث تبيان وجوده وإنكار مشروعيته، والمتأمل في طبيعة أساليب الحكم يجد أن منها ما بُني على نظرية «الحكم الفردي المطلق» «ما أريكم إلا ما أرى»، كما ورد في القرآن على لسان فرعون، لكن الله، عزوجل، أبطل نظرية فرعون بقوله لرسوله عليه الصلاة والسلام «وشاروهم في الأمر».

ومع تطور أساليب الحياة بدأ نموذج فرعون في الانحسار، نعم لم يختف كليًّا، لكنه لم يبق كما كان، حيث خرجت كثير من الدول، خاصة الغربية، من عباءة الحكم الفردي، وأوجدت الكثير من المؤسسات الشعبية والرسمية تشرف على الرئيس بكل حركاته وسكناته حتى لا يزيغ أو ينحرف؛ لأنهم أدركوا أن فرديته المطلقة هي المعادل الموضوعي لغرق سفينتهم، ولكن هذا لا يعني انعدام صلاحيات الرئيس، بل إنها يجب أن تنسجم مع المصلحة العامة.

وكثيرة هي الأوجه التي تحول دون إحكام الرئيس قبضته على مفاصل الحياة ومنها «المساءلة المجتمعية»، فهي من أدوات الإشراك غير المباشر للمواطن في إدارة البلاد، وهي عملية تقييم مستمرة لسلوك الرئيس ومطابقة مدى الانسجام بين ما يقوله وما يفعله، والتي تقترب من فكرة اللجنة الرقابية في البرلمان، وتقوم فكرتها على تشكيل لجان من الشخصيات الاعتبارية، ومؤسسات المجتمع المدني، والكتاب، والمفكرين، وأصحاب الرأي، والناشطين لتكون لسان المواطن للمؤسسة، وتقدم رؤيتها لما يجب أن تكون عليه البلاد، وتكشف مواطن الخلل وتعالجه بمبدأ الشفافية والمصداقية والحرص على البلاد والعباد، وهي بتلك الفلسفة تُبقي الحاكم تحت مجهر الشعب لتقويم مساره، ويؤكد أن الجميع سواسية كأسنان المشط، وألا أحد فوق القانون.

إن إعجابنا بفكرة «المساءلة المجتمعية» لا يعني أنها اختراع غربي بامتياز، بل إن لها جذورًا في الإسلام حيث يزخر بنماذج جميلة ومماثلة من حيث المبدأ والمنطق والتطبيق والهدف مع اختلاف في المسمى، فقد ورد في القرآن الكريم «قفوهم إنهم مسئولون»، والمقولة التاريخية لعمر بن الخطاب رضي الله عنه :من أين لك هذا؟ ورغم ذلك فحالنا ليست على ما يرام.

ومما وجب تأكيده أن المساءلة ليست غاية بل وسيلة، ويُنجحها، ألا تكون شكلية، وألا تقتصر على أشخاص دون أشخاص، وأن تجري متابعة المخرجات وتنفيذها.

ومن أوجه المساءلة المجتمعية:

الأول: المساءلة الشعبية من خلال اللجان الشعبية ومؤسسات العمل الأهلي.

الثاني: المساءلة القانونية، وهي ما يعرف بالانتخابات حيث يدلي المواطنون برأيهم تجاه الرئيس الحالي فإن كان يستحق الإبقاء أبقوه، وإن لم يستحق «عزلوه»، لذلك ينجح الغرب ونتأخر نحن، لأن صوت المواطن عندهم مسموع، أما في بلادنا فلا يسمع إلا أنين المواطن وسوط الرئيس.

أختم بما أراه واجبًا بأن نغرس في نفوس الناس أن كلنا شركاء في هذا الوطن، والشراكة تقتضي أن نقول ما قالته ملكة سبأ لقومها ﴿مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ﴾.

ملاحظة: كلمة الرئيس التي وردت في المقال لا تعني فقط رئيس الدولة، بل أقصد بها كل من تولى منصبًا عامًا بدءًا من رئيس الدولة مرورًا برئيس الوزراء والوزراء والنواب والمديرين وكل من تولى مسئولية أي مؤسسة مهما كبرت أو صغرت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد