كنت منذ سنوات قد شاركت في مسابقة «للمقالة والرسم» حول قضايا المرأة ضمن برنامج «العنف ضد المرأة» الذي نظمته جمعية الكشافة والمرشدات اليمنية بالتعاون مع منظمة أوكسفام OXFAM ،2002، وكان عنوان المقالة التي شاركت فيها «المرأة بين مطرقة (العنف) وسندان (التعسف)»، وقد تمحورت تلك المقالة حول العديد من الأطر المفاهيمية المتعلقة بواقع المرأة من خلال العديد من السياقات التاريخية والدينية والاجتماعية، وأخذت في الاعتبار الاختلافات الثقافية بين النساء من أجل تفادي التحليلات المتبينة للماهوية، والتي لا تولي اهتمامًا كافيًا بشواغل المرأة في سياقات العالم الثالث.

ولذلك فإنني من خلال هذه المقالة، أود أن أضيف بعدًا جديدًا لكنه قد يأتي في ذات السياق المعني بقضايا المرأة في خضم الاختلافات بين النساء في ظل منظورات متباينة أو متشابهة، لكنها قد تقدم تصورًا يبدو بأنه (ذرائعيًا) لتبني صورة المرأة في الإعلام بمختلف مؤسساته وقطاعاته ووسائله وأساليبه التي يتعامل بها وفقًا لهذا المنظور أو ذاك.

ففي العقود الأخيرة أكد النسويون الحاجة إلى التفكير في مسائل الجنوسة، وذلك في ارتباطها بمسائل الطبقة والعرق والأثنية والميل الجنسي، وليس بشكل منعزل عن هذا، وألقوا الضوء الكاشف على ضرورة تفهم الاختلافات بين النساء وتنظيرها لكي نتفادى التعميمات الماهوية بشأن «مشكلات المرأة». لا تقتصر الإدانة التي يحملها النقد النسوي للماهوية الجنوسية على الدعاوي الماهوية بشأن «المرأة» مفرطة التعميم، بل أيضًا يشير النقد إلى أن تلك التعميمات سيادية، من حيث إنها تقدم مشكلات المرأة المتميزة (وهي في الأعم الأغلب البيضاء الغربية من الطبقة الوسطى وذات النزوع الجنسي الغيري)،بوصفها النموذج القياسي لـ«قضايا المرأة».

تنتج مثل هذه التعميمات الماهوية عن المنظورات النظرية والأجندات السياسية التي تطمس المنظورات والمشاغل السياسية لجحافل النساء اللائي يتم تهميشهن في حدود طبقتهن، أو في حدود العرق أو الإثنية أو التوجه الجنسي. مثلا، التحليلات التي ترصد أصول تبعية النساء في حصرهن في نطاق أدوارهن المنزلية والمجال الخاص يمكن أن تُنشئ تعميمات ماهوية إشكالية إذا تجاهلت أن الرابطة بين الأنوثة والمجال الخاص ليست متجاوزة لما هو تاريخي، بل نشأت في سياقات تاريخية معينة. ومن ثم، فبينما نجد أيديولوجيا الحياة العائلية والتدبير المنزلي يمكنها أن تسجن العديد من نساء الطبقة الوسطى بين جدران المنزل، فإنها في الوقت نفسه تؤيد الاستغلال الاقتصادي لاستعباد المرأة ولنساء الطبقة العاملة، وأولئك نسوة لا تنتج مشكلاتهن الملحة عن حصرهن في نطاق الحياة الخاصة.

وتأسيسًا على ما سبق، نقدم نموذجين لصورة المرأة في وسائل الإعلام في العالم الثالث والنصوص النسوية الغربية، حيث يُقدم تصور «النموذج العام للمرأة في العالم الثالث»، هو أنها تخوض غمار حياة منقوصة نقصًا جوهريًا قائمًا على جنوستها الأنثوية (يُقرأ: مكبوتة جنسيًا)، وكونها من العالم الثالث (يُقرأ: جاهلة، فقيرة، غير متعلمة، تحاصرها التقاليد، تقوم بالخدمة المنزلية،خاضعة للأسرة، ضحية…إلخ).

أما النموذج الآخر الذي قدمه أنتوني جي كورتيز في كتابه «الاستفزازي: صور النساء والأقليات في الإعلان»: الجاذبية تُبنى اجتماعيًا وتُشكل بيولوجيًا لتكون قرارًا فوريًا. انجذاب الإناث إلى الذكور أو العكس يقوم على إشارات بيولوجية لا واعية من الاهتمام الجنسي. فكما تنجذب أنثى الحيوانات إلى القوة في الذكور من النوع نفسه بوصفها علامات للصحة والخصوبة. تنجذب إناث البشر نحو استعراض السلطة الذكورية والقوة، بالنسبة إلى الإناث الخصر الصغير، والصوت عالي النبرة من علامات الضعف التي تروق لشخصية الذكر المتوارثة ثقافيًا، كمدافع أو حام.

بؤبؤ العين الكبير جذاب جنسيًا، وهذا التضخم يحدث دون وعي في أثناء الاستثارة، الشباب هو أيضًا علامة على الصحة والجاذبية الجنسية، تستخدم النساء ماكياج الأساس لإخفاء التجاعيد الصغيرة، وذلك لأن إزالة أي من علامات الشيخوخة يساهم في إظهار صورة مرغوبة وجذابة جنسيًّا. وتستخدم الألوان الدافئة على البشرة من أجل بريق جنسي صحي.

طول الساق فيه يدل على نضج أكثر، وبالتالي أكثر جاذبية جنسية، تزيين الشعر هو أيضًا عنصر مهم من عناصر الجاذبية وإظهار الجنس،الابتسامة ترمز إلى الموافقة أو الانجذاب، ويعتبر احمرار الوجه خجلًا بلا وعي أمرًا ذا جاذبية جنسية، كيفية عرض نهدي الأنثى هو جزء رئيسي من الانجذاب الجنسي. الفراغ بين النهدين وربما هو بؤرة الاستعراض وإثارة الاهتمام. في الواقع، يعتبر الفراغ بين النهدين والفراغ بين الأرداف من الأمور شديدة الجاذبية. في الحقيقة، هناك تشابه كبير بين هذين النوعين من الفراغ..

وهكذا يُمكن القول أن ذلك الوصف بمثابة «الفراغ الذي رأى التفاصيل».

وفي إطار هذين النموذجين فإن تلك الصورة الذهنية قد تتطلب مساهمة «الوعي الجمعي» الذي يؤدي إلى إزاحة التعارض بين الحياة الخاصة والحياة العامة في مواجهة القوى التي ترمي ثقلها على خيارات المرء وأفعاله، والمبادرة بالإسهام في الحدود التي تتمثل فيها هذه القوى التي قد تمنح أشكالًا تصورية لواقع المرأة في العالم الثالث، ولدى العالم الغربي في إطار عدد من الائتلافات التي قد تهب القدرة على التمكين التاريخي الفعلي. وفي السياق الراهن، يمكن أن نكتشف التمييز بين النساء، وأنماط العنف القائم على أساس الجنوسة / النوع الاجتماعي وعلاقته بصورة المرأة عن نفسها، ومدى إدراكها للنماذج المعبرة عنها، التي قد تتماهى مع الأنماط المتعلقة بسمات الشخصية في إطار ما هو فلسفي اجتماعي، حيث إن د. علي الوردي ركز على البعد الاجتماعي المباشر فيما يتعلق بالشخصية العربية وتحولاتها وتناقضاتها، والتي تتمثل في المواقف / الأفكار الفلسفية التالية:

لم أرَ أحدًا البتة قادرًا على إرهاب أمي، التي يبلغ طولها خمس أقدام. ومن دون الخداع والالتجاء إلى العنف الجسدي، لا أستطيع أن أتخيل أحدًا يتمكن من هذا – لا الرئيس أو رئيس الوزراء أو البابا، حينما يعتريها الغضب تبدو عيناها قادرتين على صهر المعدن. تعبر عن حزمها تعبيرًا واضحًا بالإنجليزية أو الإسبانية ولا تتردد أبدًا في الإعلان عن استيائها سواء من خدمة هزيلة أو سلوك وقح أو ظلم، تستطيع أن تكون شرسة بلغتين، تعلن أن النار ثروة. وفي النهاية، كانت تبين لنا طبعًا أهمية أن ننتظر العدالة وأن نجاهر بجلاء وقوة بالاعتراض على الغبن.

كان أرسطو على يقين فيما يتعلق بالنساء «مرة أخرى فإن الذكر بطبيعته أرفع منزلة، والأنثى أدنى منزلة، وإن الذكر يَحكم، وإن الأنثى تُحكم، وهذا المبدأ ينسحب بالضرورة على كل البشرية».

ومع ذلك، كل ما نستطيع أن نقوله هو أنه لا بد أن تكون تلك النماذج مشروطة على كلا الجانبين التبرير الرمزي والتنظيم السياسي. لا يعتقد العديد من المراقبين أن هذا يمكن أن يتحقق. لكن يمكنني أن أجادل إذن أنه «من أجل نقل الولاءات وصيرورات الهوية للشعوب الأوروبية – مثلا – وإلحاقها بمجموعة من الأساطير،والذاكرة، والقيم والرموز الأوروبية المشتركة»،فإن هذا سينطوي على عمل فذ للهندسة الاجتماعية الثقافية؛ إذ قد يكون صعبًا من النواحي السيكولوجية والاجتماعية أن «يراهن على حصانين».

ذلك العنف الذي قد يعزوه البعض بأنه ناتج عن تأثيرات «المساومة الضمنية» في الحقوق والوعي، وسياسات الاعتراف بـ«المساواة المعلنة» في الكرامة في سياقات الحوار والانصات والتساؤل، وفي إطار تبرير قبول «سياقات الاختيار»، للمساهمة في صياغة المشاريع الرامية إلى مكافحة الصور النمطية الثقافية، ودعم المبادرات التي تهدف إلى تطوير مجالات حقيقية وافتراضية وتوفير تسهيلات للتفاعل الثقافي، لا سيما في البلدان التي تشهد نزاعات بين المجتمعات المحلية، ضمن عملية تقارب ثقافي شاملة من خلال إبراز «أماكن الذاكرة» التي ترمز إلى المصالحة بين المجتمعات. وبذلك تكون «الثقة والوعي وجهان لحقيقة واحدة، حقيقة اسمها: النصر».

وفي هذا السياق أعلن البنك المركزي اليمني للجمهور الكريم عن قيامه بطباعة ورقة نقدية جديدة من فئة  (200 ريال يمني) وإصدارها للتداول خلال الأيام القادمة 2018، الوجه الأمامي للورقة النقدية: قلعة زبيد.
الوجه الخلفي للورقة النقدية: حوف المهرة.

لكن تلك النماذج ينبغي أن تأخذ طابعًا أكثر تواضعًا في طموحاتهم كأن نتذكر بأن «حُبّك لا يُنسى أبدًا، كالإهانة». فعلى وجهٍ ما الحبّ حرية، وعلى وجهٍ آخر فقدانٌ للحرية، ضرورةٌ عمياء، انسياق، تسكّعٌ تحت ضغط قوى غير مفهومة، الحبُ إراداتٌ مختلفة في روحٍ واحدة، إرادات تخلق دوامات: إرادة أن أنكر، إرادة أن أبالغ، إرادة أن أتخيّل، أن أعرف، أن أبدع، وربما في إرادة أن أنهكَ نفسي، أن أشدّها كوترٍ من الفضّة حتى تغنِّي أو تنقطع، ليس كاستجابات سيكولوجية للتهديدات من الخارج أو محاولات لخلق نظام في الكون الاجتماعي، وإنما أدوات رمزية في النضالات السياسية «كل من سمع به تَطِن أذناه».

للتأمل

ليكن قلبك أرحب من مساحات العالم، اهدم في أعماق روحك جميع الحدود الجغرافية واللغوية والدينية والاجتماعية التي شيدتها أنانية البشر. *ديزموند توتو (كبير أساقفة جنوب أفريقيا السابق الحائز على جائزة نوبل للسلام العام، 1984).

الحب لا تحدده جغرافيا جسد المرأة. *نزار قباني (شاعر سوري)

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد