لا شك أن العدالة والتنمية في تركيا خاضت محطات تاريخية مختلفة بين محاولات الحفاظ على التوازنات الداخلية مع الجيش إلى مرحلة كسب الرأي العام عبر خلق مجال حيوي للتنمية الذي دفع بتركيا إلى مصاف الدول الناهضة بعد مرحلة طويلة من الركود، ثم تزامنت مع نضال تشريعي لإعادة حقوق المحجبات في المجتمع التركي إلى مرحلة دور خارجي متميز في المنطقة العربية بعد فشل محاولات الانضمام إلى الفضاء الأوروبي، ثم انتقلت إلى مرحلة مواجهة استحقاقات الربيع العربي، خصوصًا في القطر السوري، إلا ان كل هذا لم يشكل تهديدًا حقيقيا لفكرتها إلا بعد انقلاب 15 يوليو 2016 الفاشل حيث شعر كبار المفكرين في العدالة والتنمية أن مشروعهم في خطر جدي، فبعد كل تلك الغنجازات التي قدموها للشعب التركي وبعد القفزة السياسية والتنموية والحقوقية التي لم يلمسها المجتمع التركي فحسب، بل شعر بها أي متابع بسيط للمشهد في تركيا خطر سنقوم بتوضيح معطياته، ونحاول إيجاد علاقة بينه وبين تطور المشهد الفني التركي.

لقد وجد مفكرو العدالة والتنمية أنفسهم أمام جنود وضباط كبار في المؤسسة العسكرية مستعدون للتضحية من أجل إعادة الأوضاع إلى ما قبل 2002 تاريخ أول فوز للحزب في الانتخابات التشريعية لقد وجدوا أنفسهم أمام نخبة من أبناء المجتمع التركي من قضاة وأطباء وتجار وشعراء، وبعض طلبة المعاهد والكليات التي ترعاها جماعة الخدمة في حالة تعاطف شديد مع الانقلاب أو على الأقل صمت مريب تجاهه، ويكفي أن نستدل لهذا الطرح بأن كثيرًا ممن تم اعتقالهم من طرف السلطات على خلفية الانقلاب تم الإفراج عنهم بعد ذلك من طرف النيابة العامة دون تحقيق يذكر أو في أحسن أحواله تحقيق صوري. وجد أرباب العدالة والتنمية أنفسهم أمام تهديد خارجي (أوروبي/أمريكي) تمظهر في بيانات أوروبية سريعة مؤيدة للحركة التي قام بها الجيش في الداخل التركي ودعم استخباراتي أمريكي صامت لجماعة الخدمة المتهم الرئيس في التخطيط للانقلاب،ـ وقبل كل هذا فوز حزب الشعوب الديمقراطي الكردي بـ80 مقعدًا داخل قبة البرلمان في الانتخابات التشريعية في 7 يونيو 2015 لقد شكلت هذه المعطيات صدمة كبيرة جدًا لحزب يحمل مشروعًا بعيد المدى لتركيا التي ورثت تراكمية سيئة جدًا لاتزال تحاول التحرر منها بشكل تدريجي.

إننا نتحدث عن معطيات تشير إلى أن المجتمع التركي لا تزال شرائح واسعة فيه تعمل ضد مشروع العدالة والتنمية ولنقل بصراحة ضد تركيا المستقبل التي يحلم بها مفكرو العدالة والتنمية ودون مبالغات نحن نرى إرهاصاتها في هذه المرحلة حيث تحولت تركيا إلى قطب تنموي ونموذج اقتصادي في المنطقة غير مرضي عنه من الغرب. وهنا يبرز الإشكال الأساسي الذي أتوسم أن منظري العدالة والتنمية عالجوه بالدراسة هذا الإشكال يتجلى في سؤال مفاده ما الذي جعل جنديا بسيطًا يحمل السلاح ويعرض نفسه للقتل أو الاعتقال، وما الذي جعل تلك الكوادر القانونية والجامعية تتعاطف مع الانقلاب في بداياته، وفي نفس الوقت أيضًا ما الذي جعل جموعًا أخرى من الشعب التركي تندفع نحو الشوارع هاتفة يا الله باسم الله الله أكبر، وتعرض هي الأخرى نفسها للخطر. هنا نحن نتحدث عن طور آخر أدق وأكثر عمقًا من السياسة إننا نتحدث عن العواطف والسلوكات التي تحركها الأفكار والقيم المشكلة للنسيج الثقافي الذي يصدر منه هذا التوجه السياسي أو ذاك فهؤلاء والحال هنا جماعة الخدمة تحركهم ثقافة الطورانية (القومية التركية البعيدة عن الإسلام)، بينما العدالة والتنمية تحركها ثقافة العثمانية (القومية التركية المنتمية للإسلام) وبعيدًا عن الجدل القائم داخل الفضاء التركي وخارجه عن صوابية وعدم صوابية أحد الطرحين الذي يفرضه التدافع البيني (العلماني/الإسلامي) والذي سأكون بحكم ذاتيتي مؤيدًا لصوابية الطرح الثاني دون أدنى شك إلا انني هنا في مقام التحليل للبديل الثقافي الذي وضعته العدالة والتنمية كخيار من بين الخيارات الاسترتيجية بعيدة المدى.

كان غزو حقل الفن والدراما والاستثمار فيه بديلًا ثقافيًا ممكنا وفعالًا، لا سيما وأن معطياته متوفرة من مواقع جغرافية خلابة تحاكي غزوات وهجرات قبائل الإيغور أجداد الأتراك المعاصرين لهضبة الأناضول وتطور تقني ممتاز بالمعايير العالمية يقدم مشاهد المعارك بين الإنكشارية والممالك الأوروبية وفرق موسيقية تحاكي اللحن الحربي العثماني، وقبل كل هذا رؤوس أموال مستعدة للانفاق بسخاء على مشاريع فنية مثل هذه، وأهم شيء فنانون ملتزمون بالرسالة التي تريدها العدلة والتنمية ومستعدون لمعايشة حقيقية لتاريخية تلك الأدوار ومرجعيتها في الذهنية التركية المعاصرة، وهنا يمكن أن نستشهد بموقف الفنان التركي (محمد نجاتي شاشماز) الذي أدى دور مراد علمدار في وادي الذئاب المسلسل المشهور، والذي كان في مقدمة من نزلوا مدافعين عن شرعية العدالة والتنمية.

فهذا الحقل لو لم يكن الفنان نفسه وهو جوكر هذه العملية مقتنعًا بما يؤديه من أدوار ومخلصًا في تقمصه لتلك الشخصيات ومحاكاته لتلك الوقائع لخرج المنتج الفني هزيلًا جدًا، وهذا ما لا نلمسه في الانتاج الفني التركي حاليًا أضف إليه إن الفن التركي كان كمثيله العربي سوقًا لترويج الابتذال الأخلاقي أو الترويج لقضايا غير ذات بال بالمجتمع أو التطبيل لدوائر الفساد السياسية إلا أن الاختراق القيمي الذي وقع فيه أمر طبيعي جدًا تقتضيه المرحلة الحساسة التي تمر بها تركيا اليوم أضف إليه أن النموذج التركي في إبعاد المختلفة دائمًا يتسم بنسبة لا يستهان بها من الوعي ويكفي لإثبات هذا في الحقل الفني إجراء مقارنة بسيطة مع المشهد المصري في انقلاب 3 يوليو 2013، حيث خرج فنانو مصر وأغلبهم أدى أدوارًا لا تنسجم والأخلاق العامة لمجتمع مصري عربي مسلم في أغنية شكرت الجيش على انقلابه واخرى قسمت الشعب إلى قسمين وامتهنت الذات الإلهية في مشهد يدل على مدى انحطاط الوعي عند هؤلاء.

وهنا لنحاول تلمس بعض الإسقاطات السياسية من  النماذج الفنية التركية الملتزمة مؤخرًا لنرى مدى نجاح العدالة والتنمية في مقاربة الثقافة العثمانية الجديدة، وإن كنا لا نستطيع استمداد كل النماذج، وإنما نحاول استقصاء أكبر قدر نسنتطيع أن نوصل به المضمون.

بداية نرى مشاهد انتقال القبائل في بداية مسلسل قيامة أرطغرل إلى هضبة الأناضول وكيفية تحدي تلك القبائل الإيغورية لطول المسافة وقساوة الطبيعة إلى وصولها إلى بلاد الشام واستقرارها في حلب فتلك المشاهد تختزل في معانيها استجابة القومية التركية للمشاق والصعاب التي هي ضرورة لأية أمة تريد النهوض وهذا ما يزيد اعتزاز الفرد التركي بذاتيته ويقينه بأنه يمكن أن يفعل في الحاضر كما فعل أجداده في الماضي.

ثانيًا نرى المشهد الدرامي الذي صور معركة رودوس وفتح بلغراد في مسلسل حريم السلطان يلخص الصراع العثماني الأوروبي في منطقة آسيا الصغرى ويبعث برسالة قوية للمجتمع التركي للتخلي عن حلم الانضمام للاتحاد الأوروبي الذي لا يمكن أن يقبل بأكثر من ثمانين مليون تركي في فضائه السياسي والاستعداد للمواجهة المحتملة مع هذا الفضاء الأوروبي الذي لم يتخل عن نزعته الصليبية المسيحية فلم يتخلى الفرد التركي عن ذاتيته العثمانية، وطبعًا ستعمل الموسيقى الانكشارية المتزامنة مع تلك اللحظات الدرامية التاريخية على إلهاب الحس القومي التركي، وهذا وحده كاف لإقناع الجماهير التي تقودها العواطف.

ثالثًا نرى مشهد الرسالة التي أرسل بها مجسد دور سليمان القانوني لملك فرنسا حيث يصور المشهد الدرامي أسلوب الخطاب المتعالي للخليفة العثماني في ذلك الوقت مع استجداء الملك الفرنسي لاعادته لعرشه بعد صراع داخلي؛ مما يعني رسالة قوية للاتحاد الأوروبي الذي يرفض الانضمام التركي له بتاريخه مع الدولة التركية، وإنها صاحبة أفضال عليه وإن طلبها المتكرر بالانضمام ليس استجداء.

إلا أن هذا لا يعني أن الفن التركي يخلو من سلبيات أو لنقل بعض النقائص فمما تجدر الإشارة إليه أن السيناريست التركي في مسلسل قيامة ارطغل يعكس نصه تعصبًا قوميًا ضد الأكراد والعرب ودليل ذلك تجاهله التام دور الدولة الأيوبية  (الكردية ) في احتضان قبائل الإيغور أثناء اسقرارها في منطقة الشام، إضافة إلى تصوير حلب في مسلسل قيامة أرطغرل كمدينة خالية من أي وجود عربي فضلًا عن ذكره جرائم المغول، وهم من ذوي أصل تركي في حق الخلافة العباسية العربية في المسلسل، وهذا خلل كبير لا ينسجم مع تاريخ وجغرافية المنطقة، فضلًا أن يكون عاملًا دافعًا لتسويق الفكر العثماني في الفضاء العربي.

النموذج الفني التركي اليوم تجد فيه الشعوب العربية المتعطشة لأي جرعة أمل سندًا معنويًا حقيقيًا، خصوصًا في مرحلة ما بعد الربيع العربي، وقد استطاعت العدالة والتنمية في تركيا تحويل الطموح السياسي إلى عمل درامي اكتسبت به مزيدًا من الأرصدة المعنوية، خصوصًا في المرحلة القادمة التي ربما ستتسم بعنوان المواجهة، أكثر من عنوان الاستقرار والتعاون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

راي, سياسية, مقالة

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد