التلاعب في السياسات الاقتصادية للبلدان الفقيرة يقودها بشكل حتمي نحو كوارث اجتماعية ستنتهي قطعا بالاصطدام. وحتى ندرك خطورة الوضع الذي تعيشه بلدان عربية بعينها سنحاول أن نرى الوضع المعيشي من الزاويتين. زاوية أهل اليسر الذي لا يطاله تقلب الأسعار بأي ضرر وزاوية من باتت حياتهم صراعًا يوميًا وحقيقيًا من أجل البقاء. والوضع الحالي لم يعد يسمح بتجاوز هاتين الزاويتين، على اعتبار أن الطبقة المتوسطة التي هي عصب الأمم الحقيقية في طريقها للاندثار في كثير من الدول العربية.

بالدخول في عالم الفقير العربي تسود عتمة لا يُرى فيها مستقبل بوضوح للأسف. فكيف للمعادلات الرياضية أن تصف سلامة حياة تضاعفت الأسعار فيها مرتين تقريبًا وظلت رواتبها جامدة في مكانها لم تبرحه؟ ما قدرة النفوس البشرية على تحمل حياة الفوارق فيها باتت تنافس وصف الفرق بين الجنة والنار؟ وهل ننتظر من طفل يترعرع في بيئة من الحرمان، وبين أزقة تضم في الوقت نفسه مقاهي الفرق بين أسعارها يصل عشرات الأضعاف، وأمام واجهات محلات تحمل أرقام أسعارها ما لا قبل له بعده، أن يكبر سليم النمو عديم الحقد تجاه الحياة والوطن والمواطنين بل والأقدر؟

من جانب الغني كذلك أتساءل بصدق عن معاني حياة يسيرة الخوف من الغير يسكنها كل يوم، ما قيمة السكن الفاخر  إن كان من اللازم وضع الحراسة على جنباته حتى نضمن أمنه؟ ما فائدة العيش في بلد أنت ترى في عيون الكثير من ساكنته حسدًا وربما حقدًا يقفز دون إرادتهم؟ ما قيمة حياة تضطر فيها لعزل نفسك وأسرتك عن المجتمع والاكتفاء بأماكن محددة وأشخاص معينين لتضمن سلامة حياتك الطبقية؟

عندما تصبح الخدمات العمومية الأساسية كالنقل مختلفة السعر والشكل والجودة، يبدأ الشرخ بين طبقات المجتمع في التكون والاتساع. عندما يصبح لنفس المجتمع لغات متعددة، أجنبية تحدد حجم الرقي المجتمعي ومحلية إتقانها لا ينفع إلا في إدارة الأغراض المعيشية اليومية، تنفصل الطبقات عن بعضها وتأسس دول داخل نفس الدولة لا وجود لمشاعر ود بينها. عندما يستمد الغني طعم غناه من فقر الفقير، وتصبح المدرسة العمومية مصنعًا لتوريث الفقر دون أمل في الترقي الاجتماعي وتتحول المستشفيات العمومية إلى مرافق تداس فيها الكرامة الإنسانية في لوحات مُدمية للقلوب، فلا يمكن أن نستمر في المراهنة على صبر الخلق وتجرّعهم للظّلم الاجتماعي في صمت.

عندما تتناقض مشاريع التنمية مع واقع البلدان، تتحول إلى مجرد تكريس لواقع الحال وتعطيل للتنمية الحقيقية. فالفكر الاقتصادي القائم على مشاريع كبرى تمويلها في معظمه قروض دولية هو رهن لمستقبل الأوطان بين يدي الدائنين الذين لا تسكن قلوبهم رحمة تجاه شعوب زبائنهم. والمفروض من أصحاب القرار في صرف المال العام التّركيز فيما هو أساسي من خدمات وحدها تكفل ترقي المجتمع بمختلف مكوناته، مع الحرص على وجود طبقة متوسطة قوية قادرة على الربط بين الشعوب ونخبها.

من زاوية أخرى، فإن مراعاة مشاعر المحتاج هي من أخلاق الدين الجميلة. ولذلك فمن المكروه أن تنام مرتاحًا وجارك قد يطاله جوع أو حاجة. الدين ينهى عن سلوكيات بتنا نراها طبيعية من قبيل الإقبال على شرفات المطاعم التي تعج جنباتها بالمتسولين وإنشاء الإقامات السياحية الفخمة بمحاذاة مدن الصفيح. وتمرير سكك القطارات السريعة من وسط القرى التي لم يصلها الماء بعد. يسر الحال من الأرزاق المشروعة للناس جميعًا لكنّ الواجب الإنساني الأخلاقي يقتضي التّعامل مع أهل العسر برحمة على الأقل بمشاعرهم. أمّا الإمعان في صناعة مشاهد الاختلاف بين الطبقات في شكل حياتها اليوم فلن يحمل غير ولادة لمشاعر حقد اجتماعي تجاوز عواقبه ممكن بتغيير بسيط في السلوكيات.

ربما تكون العدالة الاجتماعية مطلبًا من مطالب الحراك العربي الذي ميز السنوات الأخيرة وباء بالفشل بل وأتى بنتائج عكسية. لكن الأكيد أن الإجراءات الاقتصادية الارتجالية التي تلته، وتجاهل أوضاع الشعوب في اتخاد قرارات رفع الأسعار والدعم وتعويم العملات هي نواة حقيقية لثورة جياع قادمة وقد تكون للأسف حتمية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

إقتصاد, رأي, فكر
عرض التعليقات
تحميل المزيد