يُقال إن من طلب العلا سهر الليالي، ويُحكى أنّ من جد وجد، ومن زرع حصد، وأن السائر على الدرب لابد أن يصل. حكم جميلة لاشك، ورثناها أبًا عن جد، ووصايا طالما رددها الآباء على مسامعنا، آملين أن نكون مثلهم، لاسيما أنك قلّما تجد من الآباء من لم يكن الأول على صفّه، والذي قضى ليله ساهرا على ضوء الشموع يحفظ معلقة ابن أبي سلمى، ويقرأ أبيات المتنبي وشوقي ويكتب وظائفه، غير آبه بالصعوبات والتحديات.

جميل كل هذا، أما أن يصل الحال بنا إلى عقدة اجتماعية فرضناها بأيدينا، وأن يصبح تقييم الانسان خاضعًا للكلية التي حاز شهادته منها، فالحادث خطير!

وأن يصبح هوس طالب الثانوية العامة حصد أعلى العلامات بلا اكتراث لكيفية الزرع؛ حتى يتم الحصد، فتجده لايتوانى عن ابتكار وسائل للغش؟

أأصبح العلم بضاعة تشترى؟ وغدت العلامات أرقامًا ينالها من حاز واسطة من هنا أو هناك؟ لماذا يحمل طالب الثانوية العامة هموم العالم بأسرها، فلا يرى من هذا العالم البائس، سوى غرفة انفرادية، وضعوه فيها وأحكموا الوثاق! وبات حلمه إنهاء هذا الكابوس وتجاوز هذه الاختبارات التي سلبت منه حياته، بدءً من السؤال الاعتيادي: عما إذا كان علميًا أو أدبيًا؟

ليتم تقييمه بعدها وإعطاء درجة لذكائه وإعطائه نصائح لا تسمن ولا تغني، بل تسمن المرارة وتغذي الأوجاع! وترهق الأعصاب وتهز الأبدان.

هكذا بات حالنا، وما إن ينجح بطلنا المغوار في المدرسة، وينهي تلك الحقبة الدامية من حياته، وينظر إلى غد مشرق وسماء صافية وأنهار عذبة وعصافير تزقزق، لم لا وهذا ما يرسمه عن الجامعة!

وبالطبع تنهال عليه النصائح البراقة من هنا وهناك: فذلك ينصحه بالطب، وآخر بالهندسة وآخر بالـ .. بالطب أيضًا!

إذ إنه لم يعد في الدنيا سواهما وأصبح ماعداهما هراء، من الرفاهية دراسته، وليس ل بشر، لم يدرس طبا أو هندسة أن يفهم معنى صعوبة الدراسة؟

أليست الدنيا مترامية والعلوم لا حصر لها؟ فلماذا نقوقعها ونتقولب في دواخلها ونرسم لأنفسنا مسارا اجتماعيًا خاطئًا؟ ونغلق بوتقته بإحكام، متناسين أننا أمة كان أول امر رسالتها*اقرأ؟

فما بالنا لم نعدّ نؤمن سوى بقراءة الطب أو الخوض في معارك الهندسة ليصبح ماعداهما فارغا، ليس له مستقبل؟

عجبا! ومن يحدّد المستقبل؟ ومن يرسم لنا الطرق؟

يحكى أنه لولا تعدّد الأذواق لكسدت السلع، ولولا تعدد العلوم لكسدت العقول، فثمّة عبقري في هذا المجال، ومبدع هناك ولامع هاهنا.

عزيزي أيها الطالب المسحوق! يا من تقرأ الآن واضعا هاتفك في عمق الكتاب تتقلب على جمر؛ لنيل شهادتك، وإعلان الانطلاق من عزلك الانفرادي.  ثق أن الحياة كبيرة والمجالات أمامك، ولا شيء سوى ميولاتك واهتماماتك سيفيدك، لن تفيدك نصائح بالأطعمة من أشخاص في محيطك، ضع نصب عينك أنك وحدك من ستدرس، ووحدك من ستكون رقما صعبا في مجالك، مهما يكن.

الحديث طويل لا تسعه كلمات، ولا مقالات، ومحاضرات، عزيزي المهندس والطبيب والإعلامي، ويا أيها المحامي والمعلم والقاضي، لا اكتمال للدنيا بنقص علم ما.

وليس ثمّة علم خارق، وما بعده العدم، كل العلوم مفيدة، وكلها جميلة بلا استثناء، والأجمل والأرقى أن نترفع عن صور وشكليات سطحية ضحلة، ونرقى قليلا؛ علّنا نصلّ!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد