ارتباطنا المبالغ فيه بمواقع التواصل الاجتماعي شيء لا يمكن إنكاره بأي شكل من الأشكال، فمنّا من يعرضون تفاصيل حياتهم بالكامل على صفحاتهم لرغبة مشاركة الناس «كل صغيرة وكبيرة في حياتنا»، واعتقد أن للأمر دوافع نفسية أعمق بكثير من فكرة المشاركة، فالأمر يعتبر نوعًا من الرغبة في الظهور، والرغبة في لفت الانتباه، واستمالة أنظار الناس نحو «الأنا» التي صارت مريبة جدًّا لدى الكثيرين منّا، وأصبح من الصعب السيطرة على نفوذ وغرور تلك «الأنا». ولا أستثني نفسي من أي حرف مما سيقع عليه نظرك الآن، فكلنا في حالة تثير الشفقة، وكلنا نحتاج لوقفة مع النفس، وعلى أي حال هذا المقال للمثال وليس الحصر ولا الإجماع، فلكل قاعدة استثناءات. بينما أتمنى ألا تكون تلك الحالة بمثابة «القاعدة» بل أتمناها استثناءً.

فهناك نوع يؤثر حب الغموض والإثارة على شاكلة أفلام هوليوود، فتراه مهووسًا بكتابة «statuses» مبهمة لا تفهم المعنى من ورائها ولا المقصد منها. وهذا ليس بأمر عشوائي أو تلقائي بل تلك هي «الخطة المُحكمة» للفت أنظار هؤلاء المساكين الذين ينشغلون بكل حرف يُكتب على مواقع التواصل الاجتماعي، راغبين في معرفة وتحليل شخصية كاتبه، رغم أن تحليلها ليس بالشيء المُجدي على الإطلاق، وعلى العموم تلك الكتابات المُبهمة في الغالب لا تحمل في طياتها أي معنى مستتر أو جانب عميق. هي كُتبت فقط لكي نقف أنا وإياك عندها ونتساءل: «ماذا كان يقصد بتلك العبارة؟».

آخرون يسيرون على خُطى «أنا أتفاعل إذًا أنا موجود»، وهؤلاء كثيرون جدًّا جدًّا، الذين يقومون بتصوير كل وجبة يتناولونها على مدار تاريخهم كله، ورفعها على فيسبوك -على سبيل المثال- أو الاهتمام جدًّا بإخبار الناس أنهم الآن يشاهدون فيلمًا يُسمى… أو أنهم منشغلون الآن بقراءة… ولا يقومون بذلك مرة أو اثنين؛ بل في كل مرة ينشغلون فيها بأمر عادي جدًّا من أمور الحياة تراهم يشعرون أنه من واجب عليهم التنويه له على مواقع التواصل الاجتماعي. أذكر أنني يومًا رأيت صورة لإحدى زميلاتي بملابس منزلية، وكتبت تحت الصورة «بيجامتي اللي بحبها»!

ولا يمكن أن نغفل عن ذكر هؤلاء القوم الذين يُحبون أن يُطلق بعد أسمائهم لقب «العميق»، فتراه يتناول مواضيع سطحية جدًّا على صفحته، لكنه يستخدم ألفاظًا ومصطلحات وترتيبات غريبة للجمل توحي لك أنه يتحدث عن تاريخ فلاسفة اليونان: سقراط، وأفلاطون، وأرسطو. هم فقط يرغبون في لفت النظر، ولكن بأسلوب مختلف، يرغبون في لفت النظردون اقتران سيرتهم بالتفاهة أو السطحية أو السذاجة، وتلك «خطة في منتهى الذكاء» أيضًا.

أما هؤلاء الذين يثيرون دهشتي بحق، هؤلاء الذين اختزلوا علاقتهم بالله في كتابات من نوعية «يا رب…» على مواقع التواصل الاجتماعي، وكأن العلاقة بين العبد وربه تكمن في الإنترنت، وليس في الدعاء والسجود والصلوات والطقوس الدينية المعتادة التي نصت عليها الأديان. فهل من المعقول أن ندعو الله على الفيسبوك؟! أظن أن الأوقع أن يحتفظ المرء بعلاقته بربه لنفسه وأن يدعوه مُخلصًا في صلاته ودعائه، وليس عن طريق status  مكتوبة على الفيسبوك.

ورغم أن المشكلة لا تكمن في نوعية استخدام مواقع التواصل الاجتماعي أو الغرض منها، إلا أن المشكلة أننا صرنا نفكر بها أكثر من اللازم، ونضعها ضمن حساباتنا، بينما نعيش واقعنا الذي ربما نغفل عنه كثيرًا الآن، فنفكر في الصورة التي سيتم نشرها، والخبر الذي سيتم كتابته، والتأثير الذي سنتركه لدى متابعينا لدرجة أن صار لبعض الناس شخصيتان منفصلتان تمامًا، شخصية تعيش بها في الواقع، وشخصية مختلفة تمامًا على مواقع التواصل الاجتماعي.

والحقيقة أنني صرت أنظر لجيل جدتي بشبء من الغيرة والشفقة في آنٍ واحد!  فالتطور التكنولوجي السريع فاق قدرتهم على الاستيعاب والمواكبة، لكنه في الوقت ذاته سمح لهم بأن يعيشوا أيامهم بواقعية أكثر، وإحساس حقيقي بعيدًا عن الشاشات والقيل والقال على الإنترنت، سمح لأذهانهم أن تنشغل بأمورٍ أكثر أهمية وجدية ورُقي، فهم عاشوا في بساتين الواقع، بينما نحن غارقون في أعماق بئر مواقع التواصل الاجتماعي!

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد