كثيرًا ما يستهوِينا الحديث عن المجتمع قبل وسائل التواصل الاجتماعي، حيث كان المجتمع اسمًا على مسمى، مجتمع الرّوح والجسد تحفه الحياة من جميع الجوانب، ويزخر بالتشارك في جلّ أوقات وأعمال اليوم، ﻛﺎﻥ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻳﻌﻴﺸﻮﻥ ﺑﺸﻜﻞ ﻃﺒﻴﻌﻲ، ﻳﺄﻛﻠﻮﻥ ﻭﻳﺸﺮﺑﻮﻥ ﻭﻳﻠﻌﺒﻮﻥ ﻭﻳﻨﺎﻣﻮﻥ، ﻳﺘﺰاورون ويتحاورون،ﻛﺎﻥ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﻳﺠﺮﻱ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻤﺤﺒﻴﻦ ﻭﺟﻬًﺎ ﻟﻮﺟﻪ، ﻓﻴرى ﺍﻟﻮﺍﺣﺪ ﻓﻴﻬﻢ ﻋﻴﻮﻥ ﺍﻵﺧﺮ ﻭﻳﺴﻤﻊ ﺩﻗﺎﺕ ﻗﻠﺒﻪ، ﻭﻳﺸﻌﺮ ﺑﺨﻠﺠﺎﺕ ﻧﻔﺴﻪ، ﻛﺎﻥ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻳﺘﺒﺎﺩﻟﻮﻥ ﺍﻟﺰﻳﺎﺭﺍﺕ ﻟﻠﺘﻬﻨﺌﺔ ﺑﺎﻷﻋﻴﺎﺩ ﻭﺍﻟﻤﻨﺎﺳﺒﺎﺕ ﺍﻟﺴﻌﻴﺪﺓ ﻭﺍﻟﺤﺰﻳﻨﺔ مباشرة، حتى الأطفال كانوا ﻳﻨﺰﻟﻮﻥ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺸﺎﺭﻉ ﻳﻠﻌﺒﻮﻥ ﻣﻊ أوﻻﺩ ﺍﻟﺠﻴﺮان وﻳﺮﻛﻀﻮن، ﻳﻨﻄﻮن ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺤﺒﻞ، ﻳﺘﻌﺎﺭﻛﻮﻥ، وﻛﺎﻧﺖ ﺍﻟﻌﺎﺋﻠﺔ ﺑﺄﻛﻤﻠﻬﺎ ﺗﺠﻠﺲ ﻣﺴﺎﺀ ﻟﻤﺸﺎﻫﺪﺓ ﻣﺎ ﻳﻌﺮﺿﻪ ﺍﻟﺘﻠﻔﺰﻳﻮن في جو تخيم عليه اﻷﻟﻔﺔ ﻭﺍﻟﺪﻑﺀ مجتمعين ﺣﻮﻝ ﻣﺎﺋﺪﺓ ﻭﺍﺣﺪﺓ يتحاذبون  ﺃﻃﺮﺍﻑ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ، وينعمون بالقرب الروحي والجسدي.

وﻛﺎن ﺍﻟﻤﺤﺒّﻮن ﻳﻜﺘﺒﻮﻥ ﺭﺳﺎﺋﻞ ﺍﻟﺤﺐ ﺑﺨﻂ ﺍﻟﻴﺪ، ﻟﺘﺤﻤﻞ ﻋﻄﺮﻫﻢ وﺩﻣﻮﻋﻬﻢ وﺧﻠﺠﺎﺕ ﻗﻠﻮﺑﻬﻢ، كانوا ينعمون بإحساس الحبّ الخالي من أزرار لوحة المفاتيح وأخطائها.

تنجّست كل هذه المشَاهد العظيمة التي أصبحنا نراها كنوزًا حرمنا منها، وأصبحت تعاش في زمن السرعة على وجه السرعة والقلق وابتعدت عن روحانياتها التي أنجبت للمتجمع قلوبًا سليمة، بعدها اختلط الحابل بالنابل وانقلبت معاني الحياة رأسًا على عقِب، تسرّبت التكنولوجيا واقتحمت حياتنا دون أيما استئذان بإيجابياتها وسلبياتها المدمّرة، وﺗﺄﺛﺮﺕ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻌﺎﺕ ﺍﻟﺒﺸﺮﻳﺔ ﻓﻲ ﺭﻭﺍﺑﻄﻬﺎ ﺍﻟﺒﻴﻨﻴﺔ ﺗﺄﺛﺮًﺍ ﺑﺎﻟﻐًﺎ غير منحى وأولويات الحياة.

سريعًا ما تطورت ﺗﻜﻨﻮﻟﻮﺟﻴﺎ ﺍﻻﺗﺼﺎﻝ وأدّت إلى ﺇﻧﺘﺎﺝ ﻭﺳﺎﺋﻞ ﺣﺪﻳﺜﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﻮﺍﺻﻞ ﺍاﺟﺘﻤﺎﻋﻲ، ﻭنَجد ﺍلإﻧﺘﺮﻧﺖ ﻓﻲ ﻣﻘﺪﻣﺔ ﻫﺬﻩ ﺍﻹﻧﺠﺎﺯﺍﺕ ﺩﻭﻥ ﻣﻨﺎﻓﺲ، إﺫ ﻋﻤﻞ ﻋﻠﻰ ﺇﺣﺪﺍﺙ ﺗﻐﻴﻴﺮﺍﺕ ﺟﺬﺭﻳﺔ ﻣﺴّﺖ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﻣﻦ ﺟﻤﻴﻊ ﺟﻮﺍﻧﺒﻬﺎ، ﺣﻴﺚ ﺑﺎﺗﺖ ﻣﻮﺍﻗﻊ ﺍﻟﺘﻮﺍﺻﻞ ﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﺑﺎﻟﻔﺘﺮﺓ ﺍﻷﺧﻴﺮﺓ ﺗﻬﻴﻤﻦ ﻋﻠﻰ ﻋﻘﻮﻝ الشيب قَبل الشباب، وأصبح الكل يقضي ﻣﻌﻈﻢ وَقته وراء ﺷﺎﺷﺎﺕ ﺍﻟهواتف، ﺍﻷﻣﺮ ﺍﻟﺬﻱ ﺳﺎﻫﻢ ﻓﻲ ﺗﻐﻴﺮ ﻣﻠﻤﻮﺱ ﻓﻲ ﻭﺍﻗﻊ ﺍﻟﺘﻌﺎﻣﻞ ﺍﻷﺳﺮﻱ ﻭﺍﻟﻌﺎﺋﻠﻲ ﻭﺍﻟﻌﺰﻭﻑ ﻋﻦ ﻭﺍﺟﺐ ﺻﻠﺔ ﺍﻟﺮﺣﻢ ﻭﻋﺪﺩ ﺍﻟﺰﻳﺎﺭﺍﺕ ﺑﻴﻦ ﺍﻷﻗﺎﺭﺏ ﻭﺍﻷﺻﺪﻗﺎﺀ.

بل حتى في البَيت الوَاحد وإن اجتمعت الأجساد فالأرواح تفرّقت واعتنقت كل منها عالمًا خاصًا صغير الحَجم بين اليدين كبير المفعول، حتى أصبحنا في عصر الإدمان الإلكتروني شبه العام، وتسبب هذا الإدمان بأضرار لا تعد ولا تحصى منها: ﺇﺿﺎﻋﺔ ﺍﻷﻭﻗﺎﺕ هذا الكنز الثمين المغبون فيه كثير منا، وﺍﻟﺘﻌﺮﻑ إﻠﻰ ﺻﺤﺒﺔ ﺍﻟﺴﻮﺀ، وكذلك ﺯﻋﺰﻋﺔ ﺍﻟﻌﻘﺎﺋﺪ ﻭﺍﻟﺘﺸﻜﻴﻚ ﻓﻴﻬﺎ، حيث إن هذه الوسائل أعطت مساحة جرأة لتسميع صوت كل من هب ودبّ بعلم وبدونه، وﺗﺪﻣﻴﺮ ﺍﻷﺧﻼﻕ ﻭﻧﺸﺮ ﺍﻟﺮﺫﺍﺋﻞ، وﺍﻟﺘﻘﻠﻴﺪ ﺍﻷﻋﻤﻰ للغير من خلال التواصل، وﺇﺿﺎﻋﺔ ﻣﺴﺘﻮﻯ ﺍﻟﺘﻌﻠﻴﻢ، وﺍﻹﺻﺎﺑﺔ ﺑﺎﻷﻣﺮﺍﺽ ﺍﻟﻨﻔﺴﻴﺔ من بينها أمراض التوحد خصوصًا عند الصغار، وﺍﻟﺘﺠﺴﺲ ﻋﻠﻰ ﺍﻷﺳﺮﺍﺭ ﺍﻟﺸﺨﺼﻴﺔ.

انتشار ﺍﻟﻤﻮﺍﻗﻊ ﺍﻟﻼﺃﺧﻼﻗﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻜﺜﺮ ﻭﺗﺘﻜﺎﺛﺮ ﻓﻲ ﺍﻹﻧﺘﺮﻧﺖ، ﻭﺍﻟﺘﻲ ﻳﺘﻢ ﻧﺸﺮﻫﺎ ﻭﺩﺳﻬﺎ ﺑﺄﺳﺎﻟﻴﺐ ﻋﺪﻳﺪﺓ ﻓﻲ ﻣﺤﺎﻭﻟﺔ اﺟﺘﺬﺍﺏ ﺍﻷﻃﻔﺎﻝ ﻭﺍﻟﻤﺮﺍﻫﻘﻴﻦ ﺇﻟﻰ ﺳﻠﻮﻛﻴﺎﺕ ﻣﻨﺤﺮﻓﺔ ﻭﻣﻨﺎﻓﻴﺔ ﻟﻸﺧﻼﻕ، وﺍﻟﺘﻌﺮﺽ ﻟﻌﻤﻠﻴﺎﺕ ﺍﺣﺘﻴﺎﻝ ﻭﻧﺼﺐ ﻭﺗﻬﺪﻳﺪ ﻭﺍﺑﺘﺰﺍﺯ، وﻏﻮﺍﻳﺔ ﺍﻷﻃﻔﺎﻝ ﻭﺍﻟﻤﺮﺍﻫﻘﻴﻦ، ﺣﻴﺚ ﻳﺘﻢ ﺍﻟﺘﺤﺮّﺵ ﺑﻬﻢ ﻭﺇﻏﻮﺍؤﻫﻢ ﻣﻦ ﺧﻼﻝ ﻏﺮﻑ ﺍﻟﺪﺭﺩﺷﺔ ﻭﺍﻟﺒﺮﻳﺪ ﺍﻹﻟﻜﺘﺮﻭﻧﻲ، وما إلى ذلك من أضرار عقلية ونفسِية لا تعد ولا تحصى ناهِيك عن الأضرَار الصحيّة التي تسببها ومنها التوتر الدائم والانطوائية، وكذلك التأثير على البصر وإرهاق العقل، والخمول المؤدي للضغط الدموي.

وبعد كل هذه المساوئ التي نحسن صياغتها جميعنا، إلا أن هذه الثورة التكنولوجية التي اقتحمتنا وصارت جزءًا لا يتجزأ من واقعنا و لا غنى لنا عنها لمواكبَة تطور العالم، فقط الفاصل بين إيجابياتها وسلبياتها كيفية استعمالها واستخدامها للحصول على حياة مستقِرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد