من وجهة نظر هوبس و جون لوك

شكَّل مفهوم العقد الاجتماعي سلسلة من المفاهيم، بلورت في أحقاب عصر الأنوار فلسفة العقد جديدة في الفكر الفلسفي السياسي، تزعمه فلاسفة من أمثال طوماس هوبز، وجان جاك روسو، وجون لوك، وبذلك بنوا مدرسةً سُميت في ما بعد «مدرسة العقد الاجتماعي»، والتي حاولت بتياراتها المختلفة تفسير سبب ظهور المجتمعات ذات سُّلطة حاكمة، يمسك بها بعضٌ من الأفراد لتنظيم كل الأفراد داخل مجتمع يمتلك روابط اجتماعية، وثقافية، وإثنية، وعرقية، فاستقرت التصورات على ثلاثة أراء، الأول مع هوبز فيعتقد بهمجية الإنسان وميله للشرور، و الثاني مع روسو يقول بحياد الطبيعة الإنسانية بين الخير والشر، أما الثالث مع لوك فيميل إلى الخير الفطري في الإنسان. وإن كانت فكرة العقد الاجتماعي ليست وليدة عصر الأنوار، بل يعود زمنها إلى ما قبل الحضارة الإغريقية، والفكرة في جوهرها هو البحث عن أصل السلطة، ثم بناء وتقنين سلطة مع ما يتفق ومصلحة العامة والمجتمع.

لكن قبل الحديث عن العقد الاجتماعي كمفهوم، لا بد من الحديث عن السلطة كمفهوم انبثقت عن «العقد الاجتماعي»، ويحق لنا طرح سؤال على الجدوى من وجود السلطة، وهل بالفعل الإنسان أو الأفراد يحتاجون إلى سلطة لتنظيمهم؟ وما أصل هذه السلطة؟ وما هذه السلطة؟ هل هي مادية أم معنوية؟ ومن يملك هذه السلطة؟ وكيف يملكها؟ فماذَا كان قبل وجود السلطة؟ وهل تحتاج – السلطة – إلى مجتمع سياسي لتتكوَّن؟ بعبارة أخرى هل المجتمع السياسي شرط من شروط وجود السلطة؟ أم أن وجود السلطة شرط من شروط وجود مجتمع سياسي؟

من خلال الإشكالات المثارة حول السلطة، يجرنا الكلام إلى الحديث عن الطبيعة المجتمعية للأفراد؛ لنبين هل هم بالفعل بحاجة الى السلطة؟ ويجمع الفلاسفة خاصة أصحاب مدرسة «العقد الاجتماعي» على وجود حالة طبيعية عاشها الإنسان قبل أن يؤسس لِسلطة وتبقى تحليلات وجود تلك الحالة وطبيعتها التنظيمية تختلف من فيلسوف لآخر، حسب زاوية التحليل العقلاني المتبعة، والحالة الطبيعية هي الحالة التي وجد عليها الأفراد قبل اتفاقهم على وجود عقد اجتماعي ينظمهم على شكل مجتمع وبالتالي تحت سلطة موحدة. وتبقى جدلية الفوضى والتنظيم هي السائدة في هذه المرحلة الفكرية، ليأتي أرسطو ويقول «الإنسان حيوان بطبعه» أي إنه اجتماعي بطبعه وبحكم طبيعته التكوينة المادية، وعجزه البدني وكثير الحاجات، أوْجب عليه ذلك البحث عن التجمعات الاجتماعية، التي تتكون من أفراد ليلبي حاجاته الغريزية والطبيعية، ومنه حسب أرسطو، فإن المبدأ الأساسي في تكوين المجتمعات هو الغريزة والحاجة، ويضرب مثلًا الإنسان بالنحل والنمل، برغم عدم امتلاكها للعقل، فإنها بحكم الغريزة تشتغل وتكوِّن مجتمعها بشكل غريزي يحافظ على استمراريتها وبقائها.(1)

ثم يتصدى هوبز في كتابه «في المواطن» لمقولة أرسطو قائلًا : «إنه لا يمكن التسليم بها؛ لأن المجتمع لا يقوم على الغريزة، بل على قرار عقلاني للأفراد… فنحن لا نبحث عن رفقاء بدافع غريزي، بل بدافع الاعتبار والنفع، اللذين يعودان علينا».(2) ويضيف في تفسير الحالة الطبيعية، في مثل هذه الحالة تكون الحرية هي الحق المطلق والطبيعي الأساسي الذي يتمتع به لإنسان. والمقصود بذلك الحرية المتاحة لكل فرد لاستعمال كل ما لديه من قوة للدفاع عن نفسه والحفاظ على حياته. ومعنى ذلك أيضًا أن دافع الحفاظ على البقاء يخوِّل لكل فرد الحق في استعمال كل الوسائل المتاحة بحرية تامة لتأمين حياته. يدل مفهوم الحرية هنا على غياب قوة خارجية تحول دون استعمال القدرات والوسائل المتوفرة للفرد لتلبية رغباته، وتحقيق أهدافه. ومما يترتب على الحرية بوصفها حقًّا طبيعيًّا، الصراع بين مختلف الإرادات.(3)

ويضيف لوك إلى أن المجتمعات تتكون بناء على تصور عقلي، في حالة تامة من الحرية، يحترم فيها بعضهم بعضًا، والاحتكام إلى الضمير، وحق الاستمتاع بكل الإمكانية المتاحة للأفراد بشكل عقلاني ومتساوٍ. ويرى لوك أن الحالة الطبيعية كانت جنة الفردوس، بما كانت توفره للأفراد من الحرية والمساواة، يلخصها في ثلاث محددات، وهي: غياب قانون محدد ومقبول من طرف العموم كمعيار للحكم، وغياب قاض متمكن وغير منحاز في تطبيقه للقانون، ثم غياب سلطة ذات قوة للتسيير وتنفيذ القوانين. ومن أجل تجاوز هذا الوضع والحفاظ على الحقوق، وضمان الحريات الفردية والجماعية بشكل مستمر ومتواصل، ينبغي لهم إبرام مواثيق وعقود تخول لهم الانتقال من حالة الطبيعة إلى حالة جديدة منظمة سياسيًّا واجتماعيًّا.(4)

ومن أجل تنظيم أكثر لهذه الحالة الطبيعية وصياغة لعقد اجتماعي يتوافق فيه الأفراد على قدر من التنازل عن حريتهم لصالح الحاكم أو السلطة بشكل عام، مقابل العيش بسلام وفقًا لقانون منظم يتضمن حقوقًا وواجبات في إطار فكرة العقد الاجتماعي المبنية أساسًا على وجوب تفويض السلطة لحاكم، له كامل الصلاحية في تنظيم مصالح الأفراد عامة، وفي إطار قدر من الحرية يتصرف داخلها كل فردٍ كما يشاء.

وللخروج من هذه الحالة هناك عدة أجوبة، والجواب الأول يقدمه هوبز قائلًا: يجب على الأفراد أن يتنازلوا في العقد الاجتماعي عن كل حقوقهم، دون تحفظ، الى الحاكم، الأمر الذي سيخول إلى هذا الأخير سلطة المطلقة وبلا حدود.

والجواب الثاني قدمه لوك: نعم هناك تفويضًا للسيادة، لكن هذا التفويض محدد بشروط مصاغة في العقد الاجتماعي.

فبين هوبز ولوك يوجد تقارب واختلاف؛ إذ يختلفان في مدى التنازل عن السيادة الذي يحدث بالعقد الاجتماعي، ويتفقان على أن غاية العقد الاجتماعي هو تحقيق نقل سيادة الأفراد إلى الدولة المتجسّدة في مالك أو مجلس. وبالتالي فهو مشروط عند لوك، و مطلق وكامل عند هوبز.

إذن بعد ما جرى تفسير ولو جزئيًّا كيفية ظهور السلطة، حسب ما ذكره هوبز ولوك، بالإمكان أن ننتقل إلى المرحلة الثانية المتمثلة في كيفية صياغة عقد اجتماعي جديد بمقتضاه، يتمكن الأفراد العيش داخل مجتمع ويتمتع بالحرية وبالديمقراطية.

 أي على أساس أن الحياة الطبيعية التي عاشها الإنسان في الأول، يمكن أن يعشيها على شكل دولة ذات سلطة وسيادة يتمتع فيها الأفراد بكافة حقوقهم وحرياتهم. وهذا هو ما سنورده مع الفيلسوف جون لوك وفق نظريته «العقد الاجتماعي».

فإذا تساءلنا عن كيف يمكن للعقد الاجتماعي أن ينقل مجموعة من الأفراد يعيشون في حالة طبيعية، إلى أفراد يعيشون في مجتمع ذي سلطة ويقنن استخدامها، ويحترم الحريات والعدالة، والديمقراطية؟ يُجيب لوك أنه بإمكان ذلك عن طريق بناء مفهوم جديد للسلطة السياسية المبنية على شرعية مستمدة من المجتمع المدني، أي من أولئك الأفراد، والسلطة السياسية هنا تبحث عن مشروعيتها من هذا الانتقال نفسه؛ أي من نزوع المجموعة البشرية إلى ضمان الأمن والاستقرار والحفاظ على الحقوق والحريات. والسلطة السياسية هي تلك التي كان يملكها كل شخص في حالة الطبيعة، ثم سلمها إلى المجتمع، ومن ثم إلى من نصَّبهم المجتمع حكامًا، شرط أن تُستعمل هذه السلطة لمصلحة أفراده، وتجنب كل أشكال الطغيان.(5)

والطغيان هو ممارسة سلطة تتجاوز الحق، وهو الأمر الذي لا يحق لأحد أن يفعله، وذلك هو استغلال أي شخص للسلطة التي في يديه، لا لمصلحة أولئك الذين يخضعون لها، لكن لمصلحته هو الخاصة المنفصلة عن المتجمع.

وإذا تساءلنا مع لوك عن كيف يمكن أن نؤسس لمفهوم جديد لسلطة السياسية؟ فإنه يرجع بنا إلى المجتمع المدني الذي يمتلك السيادة وصاحب القرار فيها، وأنه هو الذي يسلمها للحاكم، فيقترح ألا تسلم هذه السيادة كلها لهيئة واحدة، بل توزع لعدة هيئات، أي بدل أن يفوِّض الشعب سيادته كاملةً إلى حاكم واحد ينفرد بها، ويمكن أن يتحول إلى طاغية مستبد، أمكن لشعب أن يوزع هذه السيادة على شكل سلْطة بواسطة عقد اجتماعي على الممثلين الآخرين تكون علاقة وصل بينهم مبنية على المراقبة والرقابة المتبادلة. وهذا ما يؤسس لظهور السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية، التى يفسرها جون لوك بأن يبقى المشرع بمنأى عن تطبيق القانون، و يبقى ذلك على السلطة التنفيدية. وتبريره أن وجود سلطتين بيد واحد أمكن للحاكم أن يشرعن قوانين وفق مصلحته ويطبقها دون أي اعتراض أو وجود قوة مانعة له، ومن أجل ضمان بقاء القانون عامًا ومُراعيًا للمصلحة العامة.

وهذا الفصل هو الذي سمي في ما بعد «مبدأ فصل السلطات»، أي فصل السلطة التنفيدية، عن السلطة التشريعية، وعن السلطة القضائية، إذ لكل سلطة صلاحيتها.(*)

ومن خلال ذلك كله يمكن الانتقال من حالة الطبيعية إلى المجتمع السياسي أو المدني، ويقول لوك إنه «أينما وجد عدد من الناس اتحدوا في مجتمع واحد متنازلين كل منهم عن سلطته التنفيذية المستمدة من قانون الطبيعة، عندئذٍ يكون هناك مجتمع سياسي أو مدني». يراعي الحقوق الطبيعية التي كان يتمتع بها الأفراد، وقد حددها لوك في ثلاثة حقوق أساسية:

– حق المساواة: ألَّا يتدخل أحد في حياة الآخر.

– حق الملكية: الله سخر الأرض للناس ليعملوا ويزرعوا، ولكل واحد حق الملكية فيها.

– حق الحرية: هي أن يفعل الإنسان ما يريده، بشرط ألَّا يؤدي نفسه أو غيره.(6)

ختامًا، من دون شك، أن وجود الدولة كان مادةً أثارت فضول المفكرين، ودفعتهم للبحث عن أسبابها، وابتداع هوبز ولوك وروسو العقد الاجتماعي لم يكن سوى لتبرير ظهور الدولة.

ولكن هذه النظرية أدت إلى تكريس مفاهيم أساسية كالحقوق، والولاء للدولة، وفي الوقت ذاته شكلت سببًا إضافيًّا للسعي نحو التغيير، فكانت نظرية العقد الاجتماعي لدى روسو وراء الثورة الفرنسية، ولدى جون لوك محورية في تأسيس لمبدأ فصل السلطات، الذي مهد لحكم أكثر ديمقراطية، وشكَّلت فلسلفة للتغيير في مفهوم السلطة والدولة، ومهدت لفكر أكثر عقلنة مناهض لكل أسباب الاستبداد والاضطهاد، التي غيرت وجه أوربا وأسقطت كل الملكية المطلقة، وغيرت معها العالم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد