العقد الاجتماعي contrat social ou Principes du droit politique: لا يمكننا معالجة هذا المفهوم الخلاق، الباعث على السكينة والأمان، إلا عبر استنطاق التأصيل التاريخي والقراءات الفلسفية التفكيكية له، من خلال مؤلفات عدة مفكرين أفنوا حياتهم في سبيل تنوير عقل الإنسان. محاولة منا لفهم البعد العلائقي الذي وصل إليه حال المجتمعات في ارتباطها بالسلطة في زمن وباء كورونا، اعتمادًا على عدة أطروحات. وقد مهدنا لذلك بطرح ثلة من الإشكاليات:

– ما المقصود بالعقد الاجتماعي (سياقه ومنظريه)؟

– وما ملامح العقد الاجتماعي في عصر الكورونا؟

– وكيف ينظر المفكرون المعاصرون للنظام العام في زمن الجائحة؟

التأصيل التاريخي والفلسفي لمفهوم العقد الاجتماعي:

قبل الخوض في غمار معالجة موضوع عنوان المقالة، لابد عن الإشارة إلى ضرورة الفصل بين العقد الاجتماعي كمفهوم نظري افتراضي ومثالي، والعقد الاجتماعي كنظرية تطبيقية واتجاه فلسفي حديث، إذ إن ظهور ملامحه الأولى ترجع إلى القدم، بالضبط إلى الحضارة الرومانية، مرورًا بأفكار عدة فلاسفة أمثال أفلاطون (كتاب: جمهورية أفلاطون) وأرسطو (مؤلف: السياسي) وأبيقور (الرسائل والحكم) وغيرهم ممن نظَّرَ لتكوين مؤسسات بغاية السهر على تسيير شؤون العامة في سياق مجتمع سياسي يضم جميع أفراد الشعب، وإن كان التباين في الواجبات والحقوق بين طبقاته أبرز سماته في مرحلة تشكيله الأولى.

إلى غاية القرنين السابع عشر والثامن عشر، سيتطور مفهوم العقد الاجتماعي علميًا وعمليًا (عصر الأنوار) ليتأسس على مرجعية أبستمولوجية حديثة، أنبتت بالدرجة الأولى على أطروحات ثلة من الفلاسفة والمفكرين الذين عالجوا مسألة انتقال البشر من حالة الطبيعة إلى حالة الدولة، عبر تفكيك مفاهيم جد مستعصية كالدولة والسلطة.

كان أولهم الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز ( 1588 – 1679) الذي يعد المجدد الفعلي للفلسفة السياسية الحديثة، وهو أول من كتب كتابة نسقية في مجال السياسة. وتقوم فلسفته هذه على أن الدولة ككيان سياسي منظّم، هي نتاج توافق بين مجموعة من الأفراد، وأن حالة الطبيعة هي حالة غير منظمة، تنبني على أشكال طبيعية كالصراع، أي حرب الكل ضد الكل. لذلك كان لا بد عن تعاقد اختياري يقوم به الناس من أجل تشكيل نظام هو وحده الكفيل لإخراج عامة الناس من حالة الطبيعة.

وبالرجوع إلى الفترة التي عاش فيها توماس نجد أنها شهدت حروبًا دموية طاحنة بين إسبانيا وإنجلترا (موطن هوبز). جعلته يؤسس هذا التعاقد على تخلي الفرد عن حقوقه وحرياته لصالح شخص واحد، وهو حاكم الدولة، الذي سماه بالليفاتور (الحاكم المطلق)، مقابل الحفاظ على أمنه من بطش الدخلاء.

فيلسوف آخر، من فلاسفة العقد الاجتماعي وهو المفكر الإنجليزي جون لوك (1632 – 1704)، الذي تبنى فكرة تختلف جذريًا عن أطروحة هوبز حيث اعتبر أنه لا توجد سيادة لشخص على آخر، آمن بالحرية الفردية للمحكومين، ولم يوافق على السلطة المطلقة المتمثلة في شخص الحاكم. وأعتقد أن العقد الاجتماعي يجب أن يقوم على عدة محددات وهي فصل السلطة وسيادة الشعب وتفضيل الأغلبية.

أما الفيلسوف الفرنسي جون جاك روسو ( 1712-1788) فقد اشتهر من خلال مؤلفه «العقد الاجتماعي»، الذي اشتمل عمليًا على نظريته السياسية كلها، ويدل عنوانه على موضوعه، وسمي هذا الكتاب بحسب مترجمه إلى اللغة العربية المفكر الفلسطيني عادل زعيتر بـ«مبادئ الحقوق السياسية». وقد وضع روسو هذا الكتاب، وكان من الخطر البالغ أن يجهر الإنسان بأي رأي حر حينما وضعه، حيث كان جريئًا في كل ما بدأه فيه، من حمل على الرق وعدم المساواة ونضال عن حقوق الإنسان، وقال إن غاية كل نظام اجتماعي وسياسي هو حفظ حقوق كل فرد، وأن الشعب وحده هو صاحب السيادة.

وكان يهدف إلى النظام الجمهوري فتحقق هذا النظام بالثورة الفرنسية بعد 30 سنة حين اتخذ «العقد الاجتماعي». إنجيل هذه الثورة.

ملامح العقد الاجتماعي في مجتمعاتنا:

مرورًا من كل ما ذكرنا أعلاه، وإن كنا لم نمر على ذكر بعض المنعطفات التجديدية لهذا المفهوم إبان الفترة ما بين الحربين والصراع الأيديولوجي والسياسي في ما بعد الحرب العالمية الثانية، نقف اليوم أمام منعرج تاريخي، يستحق التمعن. إنه منعرج القرن الواحد والعشرين (كوفيد-19).

انتشر فيروس (كوفيد-19) بشكل مسرع جدًا، خلف وراءه تدعيات اقتصادية عدة (تقهقر أسعار النفط، انهيار اسهم بعض الشركات العملاقة…) أضحت عواقبها وخيمة على العالم جيوسياسيًا. وهو الأمر الذي جعلنا نعيد قراءة التعاقد الاجتماعي مبرزين سماته في مجتمعاتنا الهشة، والذي بدا اليوم أنه يقف على مفترق طريق متسم بخطورة شديدة: الانصياع لتعاليم السلطة وإن كانت قهرية، والتقيد بحالة الطوارئ، أو الثورة عليها ومن ثم الرجوع إلى حالة الفوضى، وإن كانت بصيغة مختلفة عن حالة قانون الغاب.

إن العديد من شعوب العالم لم يتأثر تعاقدها الاجتماعي بتداعيات هذه الجائحة، على مستوى احترام تعاليم الطورائ الصحية، خاصة اليابان وبعض الدول الاروبية، إذ إن ثقافتها في الأيام العادية تشبه إلى حد كبير حالة حظر التجوال، زد على ذلك عامل منسوب الوعي المنتشر لدى عموم الناس وخلو جيناتهم من كولسترول التهميش.

وبالرجوع إلى دولنا التي تعيش تبعية اقتصادية وضعف في التنمية البشرية، سجل بها العديد من الاختلالات، التي تنم عن فشل ذريع للعقد الاجتماعي فيها، بفعل مجموعة من العوامل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ذات أبعاد تاريخية.

وبعد أن اتضح هذا الواقع المر للقائمين على تسيير دواليب السلطة، وحفاظًا على هيبتها، انتقلت إستراتيجية التعامل إلى احتواء وضبط الوضع بواسطة استخدام القوة، الذي ينظر اليه من زاويتين أيديولوجيتين متقابلتين: عنف شرعي / تسلط قمعي.

كورنا ونظرية النشأة اللاحقة للنظام الجديد:

في خضم مشاهد الكر والفر وعنف السلطة وحالة الطوارئ، تتبادر إلى الأذهان، ثلة من التساؤلات، بهدف خلخلة الواقع واستشراف الما بعد.

أي وعي تراهن الدولة على تشكيله في علاقة السلطة بالمواطن في مجتمع المابعد كورونا (في سياق النيوليبرالية)؟ المزيد من السلطوية أم الاتجاه إلى دمقرطة الحياة العامة سياسيًا واجتماعيًا؟ وما أبرز التغيرات التي ستطرأ على النظام الجديد؟

هي أسئلة حارقة، حاول معالجتها كبار الباحثين المعاصرين كل من زاويته الخاصة، بمقاربة علمية متعددة التخصصات، تتأسس على استشراف المستقبل بناءً على معطيات الحاضر، كالمفكر الأمريكي نعوم تشومسكي، والفيلسوف الفرنسي إدغار موران والباحث الإيطالي المثير للجدل جورجيو أغامبين عبر استجوابات صحافية ومقالات منشورة في عدة مجلات ومواقع.

في حوار تشومسكي مع محطة DiEM25 TV الأمريكية عبر تقنية الفيديو، وبعد أن وجه هجومًا لاذعًا للرئيس الأمريكي وسياساته الرأسمالية المتوحشة، اعتبر أن العالم مقبل على تغييرات عديدة ستم من خلاله تنزيل النظام العالمي الجديد وفق توافقات جديدة على الشعوب الاستعداد لها، كما أكد أيضًا أن الفيروس التاجي حمل معه أشياء إيجابية وهي إشارات تحذيرية لنا من الخطر الداهم الذي يلوح في المستقبل القريب ليحثنا على التحرك والاستعداد. خاصة أن الديمقراطية في خطر بسبب حالة الاستثناء التي يتحكم فيها قلة قليلة هم أسياد النيوليبرالية. وسيواصلون التحكم برأيه إن لم تتم الإجابة عن سؤال وجودي يطرحه تشومسكي بإلحاح الآن تحت السحابة السوداء لهذه الأزمة وهو: أي عالم نريد أن نعيش فيه؟

في الوقت نفسه، ذهب السوسيولوجي الفرنسي إدغار موران في حوار أجراه مع صحيفة corriere della sera الإيطالية إلى اعتبار أن جائحة كورونا كشفت أن النظام الرأسمالي المتمثل في السوق الدولية لم يتمكن من خلق مشاعر المودة، وإنما خلق حالة رهاب من المستقبل، وأن النظام الحالي ساهم أيضًا في صعود أحزاب وشخصيات استبدادية وديماغوجية مثلما يحدث في الولايات المتحدة الأمريكية. فكورونا بحسبه مثلت تحديا لاديولوجيا التي سيطرت على الحملات الانتخابية في السنوات الأخيرة حينما اعتلت شعارات من قبيل «أمريكا أولًا» «فرنسا قبل كل شيء» وهي شعارات قدمت صورة مشوهة عن الإنسانية.

وفي جوابه على سؤال التغيرات الاقتصادية والاجتماعية المصاحبة لهذا الفيروس، وبعده، اعتبر موران أن المؤشرات الواضحة تبين ذلك، فاقتصاديًا من الممكن أن تعجل بالعودة إلى الأنتاج المحلي والتخلي عن صناعة السلع القابلة للاستعمال مرة واحدة، وربما سيعاد الاعتبار للصناع والحرفيين وتجار التقسيط التي يمكن أن تعيد القيمة لظروف العمل، واجتماعيًا من الملاحظ حسب موران أن مشاعر التضامن ولت الآن بعد أن سيطر الاهتمام الفردي على كل الجوانب، ولكن ذلك بحسبه لا يعني عودة التضامن الإنساني على المستوى العالمي.

وفي إشكالية رهانات الدولة على مستوى الأمني يتوقع الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبين في حديثه عن الإطار النظري والإشكالي لما بعد الفيروس، أن تساهم هذه الأزمة البيولوجيّة المعولمة كورونا في تعزيز التدابير الأمنية والتفتيشيّة والرقابيّة، وتقييد الحركة والحريّات، ودفعها إلى مستويات تفوق تلك المستويات التي تبعت أحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول). كما يتوقّع أيضًا إعادة إنتاج شرعيّة الأنظمة المحليّة المهترئة وشرعية النظام العالمي، تلك الشرعية التي تزعزعت تحت وقع سلسلة من الاحتجاجات والإضرابات والمسيرات والحراكات منذ انفجار الأزمة الماليّة العالميّة لعام 2008. وأن تساهم هذه الأزمة في تعميق الخوف الفردي والجماعي، وتطفيل البشريّة (من طفل) في محاولة لتشكيل أيديولوجيا تخترق الفرد والجماعات، والوعي واللاوعي، مفادها أنّ الطريق الوحيد لحماية الجسد والصحّة هو الاتباع الحريص لتعليمات النظام.

أخيرًا، ومن منظورنا الخاص، كانت بعض الدول لم تعتمد على استعرض قوتها المادية من جيش وشرطة ورجال سلطة بهدف نشر الوعي بأهمية الحجر الصحي وضبط فلتات الناس، فإنها اشتغلت ومنذ عقود على ذلك، لأن الوعي النير هو أثمن ما يمكن امتلاكه، فالواجب هنا أن نأخذ العبر من أجل ترسيخ «نيو» عقد اجتماعي عبر التمكين لتشييد الإنسان، مع ضرورة الوعي بأهمية المرحلة كونها فرصة ذهبية للاتجاه نحو دمقرطة المؤسسات وتجاوز مخلفات الاستعمار وبناء الاقتصاد والعباد بناءً سليمًا، فذلك سيكون منفذًا للجميع للخروج من حالة التبعية، وكل ما يجانب هذا المنحى سيسقطنا من جديد في مستنقع الديكتاتوريات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد