أساس منطقي لألوهية الحاكم بالشرق

يقول «معتصم الحارث الضوّي»:

عندما فتحنا أعيننا على الدنيا، وجدنا حكامًا لا يدّعون الألوهية، ولا يزعمون الربوبية، ولكن أتباعهم من المطبّلين وحارقي البخور وسدنة المعابد يبذلون لهم من ألوان التبجيل وأصناف التقديس ما يرفعهم إلى مقام الأنبياء والقديسين، وتصفهم بالتنزيه عن الجهل والخطأ والنسيان، القدر الذي يرضي غرور أولئك الحكام، ويُشبعُ لديهم مركب الاضطهاد ليُحوّله إلى عقدة عظمة لا تُبقي ولا تذر، فتخرج علينا الجداريات والتماثيل، وتتحول منشآت الدولة –الحديث هنا عن جمهوريات!- من مطارات ومستشفيات ومكتبات وجسور وجامعات وغيرها لتحمل اسم الزعيم الأوحد، والقائد الضرورة، الذي يؤمنُ جازمًا أنه مُصلحُ الكون، وسبب الخلق، والمبعوثُ رحمةً للعالمين.

نشأة العقد الاجتماعي

يُحسب لعصر التنوير في أوروبا، أنه خاض معارك كبيرة مع المؤسسات الاجتماعية ونظم الحكم السياسية التقليدية، تجلّت (قدرة التنوير) في اكتشاف نظرية العقد الاجتماعي، تلك النظرية التي أنهت وقضت على أسطورة الحق الالهي للحاكم في السيطرة والهيمنة باسم الدين، قلّصت من دور رجالات الدين وحصرتهم في دور العبادة فقط وأخرجتهم بصورة فعلية من الحياة السياسية المدنية.

نظرية الحق الإلهي

من أقدم النظريات التي فسَّرت نشأة الدولة وهي تعتبر الدولة نظامًا إلهيًا، أي أن السلطة قادمة من عند الله،فيجب تقديسها وطاعتها وقد تطورّت مع مرور الزمن وزيادة الوعي لدى الإنسان و نضج تفكيره، فقد كان للساحر والمشعوذ في العصور الأولى مكانة كبيرة، لأنه كان صلة الوصل بين الناس والقوى الخفية والغيبية التي تدير مناحي حياتهم المختلفة فكان يحدد الأوامر والنواهي، ومن ثم تحولت السلطة من الساحر إلى الكاهن، ثم إلى تطبيق إرادة الآلهة في كل تصرفات الإنسان، وكانت هذه هي السلطة السائدة في المدن القديمة واعتمد عليها الملوك في أوروبا في القرنين السادس والسابع عشر لممارسة السلطة المطلقة، وقد أقرّتها المسيحية في البدء ثم حاربتها. «الباحثة: نــجـــــوى مــــســـلم».

«نظرية العقد الاجتماعي»

نظرية بسيطة تقوم على فرضية منطقية أن العلاقة بين الفرد والدولة علاقة تعاقدية، بموجبها تنازل الأول، المواطن، عن مساحات كبيرة من حريته الفردية، نظير تكليف لبضعة نفر من أفراده لإدارة شئون الجميع ( الحكومة أو النظام السياسي)، لقد فسّرت هذه النظرية فكرة وجود السلطة والحكم والحكومة، وحددّت شرعيتها بشروط التعاقد بينها وبين الناس، فإن تخلّت الدولة عن التزاماتها،حقّ للشعب أن يطيح بها، عبر ذات الآليات التي أوصلتها للحكم والسلطة ( عن طريق الناس أنفسهم).

شكّلت نظرية «العقد الاجتماعي «نقطة فاصلة في تاريخ أوروبا والغرب عمومًا ومهدّت بقوة وبسرعة في ظهور الديمقراطيات الحديثة.

جميعنا باعتبارنا شعوبًا شرق أوسطية وعربية بالتحديد، من دواخلنا نحسد البلدان الغربية على ما تتمتع به من ديمقراطية وعلى مساحة الحرية الفردية للمواطن القائمة على احترام الكرامة الإنسانية للفرد وتقدير الحقوق والواجبات.

لعلنا في الشرق، نسعى ونجتهد لإقامة ديمقراطيات ونظم حكم تقوم على مفاهيم العدل والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان، لكنها حتى الآن صورية فأساس العلاقة بين المواطن والسلطة لا يزال غامضًا أو أقرب لنظرية الحق الالهي، أو صورة أو تطبيقًا مغايرًا لذات النظرية لكن المضمون واحد.

لذا لا غرابة ألاّ تعير الدولة أو السلطة اهتمامًا بالمواطن العادي، وقد لا ترى فيه قوة مؤثرة على وجودها واستمرارها أو خطرا على كيانها، فهي أي السلطة تعي جيدا أن وجودها رهن بمؤثرات أخرى لا علاقة بها بالمواطن العادي. لذا لا غرابة أيضا أن يمقت المواطن الحكومة ويناصبها العداء من داخله، ولا يرى فيها إلا جابية للضرائب والرسوم ومصدرًا للضرر والأذى.

إذا حيث لا تعاقد صريح بين الطرفين وحيث تغض الدولة الطرف عن أهمية وقيمة المواطن الفرد، يصبح الحديث عن الديمقراطية مضيعة للوقت وحديث لغو.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد