جلست ليلًا أحتسي كوبًا من الشَّاي، أتفكر في حالي وفيما مررت به تلك السنوات التي قدَّر الله لي أن أقضيَها في هذه الدُّنيا، تأملت المراحل المختلفة التي مررت بها منذ الطفولة بأحداثها التي تُدَاعِب الذَّاكرةَ من حينٍ إلى آخر، والتي أذكر بعضها جلِيَّا واضحًا والبعض الآخر وكأنَّه لم يكن يومًا. أتذكرني أركض وأضحك في بلاهةٍ وبراءةٍ واضحتين لم يكن لي همُّ سوى اللعب والأكل والنوم. كنت أفعل كلَّ ما أفعله من أجل المتعة فقط وليس لغرض آخر. تجولت بأفكاري حتى وصلت إلى سنِّ المدرسة.. وما أدراك ما المدرسة!

توقفت كثيرًا أمام تلك المرحلة، أتذكر جيدًا زملاء الفصل واحدًا واحدًا، وأتذكر أيضًا مُعلِّمتي الفاضلة الأستاذة عزيزة تلك التي اعتبرتها أمّا ثانيةً بعد أمِّي. أتذكر صوتها جيدًا وهي تقول بصوتٍ جهوري «التوراة والإنجيل والقرآن» قد تبدو جملة ساذجة وبسيطة ولكنَّها كانت تُقال لأطفال لا يتجاوز أكبرهم السبع سنوات.

تفكرت في حال الدراسة وما تلقيته من تلقين ودراسة لا علاقة لها بواقعنا وأساليب ومناهج تفصلنا عن العالم المتقدم بسنواتٍ ضوئيةٍ كثيرة. رأيت الملل في تفاصيل دراستي منذ السنة الأولى وحتى عامي الرابع في كلية الطب. فقررت ألَّا تتكرر هذه الحياة وهذا النظام المتكرر التعيس، الذي يحول بين الطفل والإبداع مرة أخرى. قرَّرت ألّا يكونَ ابني قالبًا. أيقنت أن الدراسة حالت بيني وبين تعلُّمي وبين إبداعي، أتذكر أنني كنت أكتب قصصًا على سذاجتها لطفل في التاسعة من عمره إلا أننى كنت أحب الكتابة. وأتذكر أيضا أنني كنت آتي ببعض الأخشاب والمسامير وأركبها وأكون أشكالًا هندسية وصممت آلة لإطلاق السِّهام أقسم أنني رأيتها بعدها بسنوات في الأفلام. هنا أدركت أنَّ هذا النظام الرتيب لا بد وألَّا يتكرر في نسلي إذا أراد الله. ورأيت أنني يجب أن أكون معلم ابني الخاص وأن أكون سبب تقدمه وتفوقه، سأنمِّي فيه حب القراءة والكتابة وأزرع فيه أن الكتاب خير صديق. سأعلمه ما قاله عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا السباحة والرماية وركوب الخيل. سأجعله يحب التعلم بعيدًا عن التعليم فيكتسب خبراته من الحياة والكتب. سأجعله يتعلم أن يخصص وقتًا مقدسًا لهواياته ووقتا لعبادته ووقتًا للتعليم ووقتًا للترفيه عن نفسه، باختصارٍ سأعلِّمه قيمة الوقت. سأجعله ينكر بقلبه هذا النظام الذي لا يمثل غير الذهاب إلى المدرسة والاستماع إلى بعض الكلمات الجديدة ثم يعود إلى البيت فيكتب واجبه ثم ينام ويذهب في الصباح إلى مدرسته فيتكرر ما حدث في اليوم السابق. أهكذا يجب أن تكون طفولتنا التي هي أساس التنشئة القويمة السليمة؟! أهكذا سنتقدم ونحقق إنجازات ونرتقي؟! أيجب أن نتحوَّل إلى قوالب حفظ وتكرار ورتابة وملل؟!

كلَّا والله ما لذلك خُلِقْنا ولا لنكون هكذا جُبِلنا، خلقنا الله لنعمِّرَ ونعبدَ وما هذه بحياة المعمرين العابدين حقًا. في نهاية الكلام أتوجه بالرجاء لكل والد ووالدة ألَّا يكرروا تلك المأساة الشنيعة في حق أطفالهم، وألا يساعدوا في تحويلهم إلى تروس في آلات تصنيع المجتمع ذي الطابع القالبي الذي يكرر نفسه مرارًا وتكرارًا، وألا يساعدوا في قتل الإبداع بداخل أطفالهم وأن ينظرا إلى الطفل نظرة متفحصةً ليعرفا ما يحب الطفل فعله وتنميته بطريقة صحيحة فلعله يومًا يكون له شأنٌ عظيمٌ بعيدًا عن نظام القوالب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد