برغم كل التقدم التكنولوجي الذي لا نظير له في تاريخ البشرية، وأخص بالذكر تكنولوجيا المعلومات، التي تشمل الحواسيب والهواتف النقالة الذكية، متوجة بأمهما وقوتهما التحريضية وأقصد الشبكة العنكبوتية (الإنترنت)، إلا أن أهم الإنجازات بالنسبة لوحوش العصر من نُخب الثروة والسلطة هو الوصول بكل اقتدار لما أطلق عليه علماء النفس والاجتماع «الهندسة الاجتماعية» Social Engineering، والتي تعني كما يبدو من الاسم هندسة المجتمع، وتركيب لبناته بعناية كما يبني صاحب المنزل بيته بطريقته، ولما يناسب احتياجاته وأهواءه، ولصد كل ما قد يهدد أمن البيت لخدمة أجندة سياسية معينة، وهي الاستئثار بالثروة والسلطة من قبل الـ 1% من السكان، واستعباد الـ99% الباقية، أي تسخير الغالبية الساحقة لخدمة الأقلية! وهذا ما نراه فيما يُزعم أنها دول ديمقراطية، وتحديدًا أمريكا وأوروبا وبعض الدول في بقية أنحاء العالم. وسنرى في هذا المقال بعضًا من أهم مقومات الهندسة الاجتماعية، وكيفية استغلالها لاستعباد الشعوب والإبقاء عليهم في دائرة السيطرة.

التجهيل

يتحسس المستبدون مسدساتهم كلما سمعوا بلفظ: مثقف أو ثقافة! وهذه ليست عبارة مأثورة عن النازية وأبطالها، كما يُزعم، بل عن كل الطغاة في كل زمان ومكان. فالمثقفون لا يمكن السيطرة عليهم، لذلك فإن أولى الطرق الخبيثة للسيطرة على الشعوب هي الإبقاء عليهم جهلة، رغم تكلفة التعليم الباهظة. وسياسة التجهيل هذه تتم، كما يقول الباحث والكاتب الأمريكي الشهير تشارلي ريس Charley Reese، عن طريق ضخ الأموال في الجامعات لتأمين الراحة للطلاب، وتوفير المكتبات والمراجع التي تحتوي الأفكار والمعلومات الجاهزة، إضافة إلى المنح الدراسية، وإنشاء المؤسسات التعليمية وامتلاك وسائل الإعلام؛ مما يجعل أولئك الذين برعوا في التدريب والتعليم المهنيين، وليس التعليم والتثقيف الحقيقي، هم المراجع للطلاب الجدد الذين لا يكلفون أنفسهم عناء التفكير والبحث الذاتي عن الفكر المناسب لإدارة الدولة ومصالح الشعوب.

وهؤلاء المراجع authorities ليسوا إلا من حفظة المناهج المهنية التي تخولهم أن يكونوا من ذوي «البريستيج» في المجتمع دون ثقافة، أو فكر حقيقيين! فنجد الغالبية يحملون شهادات الدكتوراه في الطب أو الهندسة أو الإعلام أو إدارة الأعمال والقانون… إلخ، إلا أن تفكيرهم محصور في مجال تخصصاتهم المهنية. وليس لديهم أي اهتمام بقضايا مجتمعهم، ناهيك عن قضايا العالم الذي يعيشون فيه. فكل شيء يحتاجونه للنجاح في دراساتهم المهنية موجود في الكتب والمجلات الدوريةـ وفي فضاء الإنترنت الواسع، وكل ما يفعلونه هو نقل المعلومات الجاهزة والمعلبة الموجود مسبقًا، وتوضيح المصدر دون أن يتعبوا أنفسهم بالتفكير الجدي، وابتكار ما هو جديد في مجال الدراسة، وتثقيف المجتمع بأساليب جديدة، وإشراكه في إدارة الحياة العامة بكل حرية ومسؤولية، وحل المشاكل التي تؤخر التنمية التي تخدم البشرية بالعدل دونما تسلط وتفرد بالثروة.

فما الذي فعلته النخب الغربية، أرباب الشهادات العليا و«البوردات» في المجالات المختلفة، لتأسيس مجتمعاتها على أساس من العدل والشفافية؟ في بلاد تلك النخب يسود الظلم والاستبداد بأبشع صورهما، فلا يجب أن تغرينا الديمقراطية المزيفة التي سنكشفها في مقالات تالية، فالسلطة والثروة بيد، ربما، واحد في الألف وليس واحدًا في المئة!

إثارة الخوف والترهيب

أساس السيطرة على البشر هو إثارة الخوف من عدو عنيف لا يرحم، ذلك أن خلق ثقافة الخوف تقلق المواطنين، وتجعلهم يرضون بما تقوم به الحكومة من إجراءات تقشف وتقييد فظيع للحريات العامة والشخصية، لتثبيت الحكم بيد القلة دون منافسة، وربما لإخفاء عجز الحكومات عن أداء مهامها بما يرضي الشعب، ولشن الحروب وإقامة الإمبراطوريات في بعض الأحيان. هجمات 11/9/2001 من أبرز الأمثلة على تخويف الشعب لتحقيق أهم المآرب الآنفة الذكر. فقد أدت هذه الهجمات التي قامت بها، بلا منازع، المخابرات الأمريكية، إلى تخويف وترهيب الأمريكان لتقييد حرياتهم! وهناك مئات بل آلاف الفيديوهات في اليوتيوب والشهادات الموثقة تؤكد بما لا يدع مجالًا للشك مسؤولية الإدارة الأمريكية ومخابراتها عن تلك الهجمات! وفي الفيديو المرفق رابطه في هذا المقال، تقول هيلاري كلنتون: «Never waste a good crisis». أي لا تضيعوا فرصة الاستفادة من أزمة جيدة!

https://youtu.be/JAPSShranFc

وإن لم تكن هناك أزمة، فيجب صناعة أزمة بتفجير في باريس، أو عملية دهس في نيس، وعملية قتل في بروكسل أو ألمانيا أو البرتغال وإيطاليا لتأكيد وجود تهديد الإرهاب، تلك الشماعة التي يُعلق عليها فشل الفاسدين والمفسدين والمستبدين في الغرب والشرق في إدارة بلادهم بالعدل! كشفت الوقائع المستور من الحقائق، وفضحت زيف الإنجازات الواهية، فالديون تثقل كاهل الديمقراطيات الغربية، والضرائب باتت شوكة في حلق شعوبهم، والسرقة أصبحت بالتريليونات بدلًا من المليارات كما اعترف دونالد رامسفيلد، وزير الدفاع الأمريكي الأسبق، عشية تفجيرات 11 / 9/ 2001 من «أنهم لا يستطيعون تتبع 2.3 ترليون دولار في عدد من الصفقات». مما جعل لزامًا عليهم تخويف شعوبهم وترهيبهم من العدو الأيديولوجي «الإرهاب»، لحرف الأنظار عن العدو الداخلي، وهو العدو الحقيقي للشعوب الغربية للاستمرار في التفرد بالسلطة وامتلاك الثروة! أمريكا مدينة بـ 20 تريليون دولار، وبنيتها التحتية شبه المهترئة تحتاج لـ 6,5 تريليون دولار لتجديدها، فمهما نهبت من مقدرات العالم الثالث فلن تستطيع توفير هذه المبالغ الفلكية! إذًا فأحد الحلول هو سياسة الترهيب لإلهاء الشعوب وإسكاتها، ولو إلى حين! لذلك فهم يبحثون عن إلهاء «ساخن» أي حرب ما في مكان ما!

ومن بين طرق الترهيب والتخويف استثمار متلازمة ستوكهولم Stockholm Syndrome لتهيئة المواطنين للرضا بالإذعان بل ودعمه، ذلك أن متلازمة ستوكهولم تعني الترابط العاطفي بين الرهينة والخاطف نتيجة للتوتر الذي يسببه الخطف، والاتكال الكلي على الخاطف من أجل النجاة. وهذا ما حصل في ستوكهولم عام 1973 عندما اختُطف أربعة من موظفي أحد البنوك واحتجزوا في قبو البنك مدة ستة أيام؛ مما جعلهم يعتمدون بشكل كلي على الخاطفين في كل شيء ليبقوا على قيد الحياة، وهذا ما حصل. مما أدى إلى تعاطف المخطوفين مع الخاطفين، بل تعدى ذلك إلى شعورهم بأنهم مدينون بحياتهم للخاطفين. وهنا تقوم الحكومات مقام الخاطفين، والشعب مقام المخطوفين، الذين يتعاطفون مع الحكومات بسبب اعتمادهم عليها للحماية من «الإرهاب» (المختلق) لينجوا بأرواحهم، لذلك فهم يوافقون الحكومة في كل ما تتخذه من إجراءات، وإن كانت عكس ما يرغبون!

الإلهاء: الرياضة

المكون الثاني لثنائية الإلهاء التي سادت ونجحت لقرون في إبقاء الاستبداد في الإمبراطورية الرومانية، ثنائية الخبز والرياضة Bread and Circuses. فتأمين الطعام الكافي والتسلية الفعالة تؤمن استرخاء الشعب مهما بلغت أحوال الدولة أو الإمبراطورية من السوء! وسأتحدث اليوم عن الرياضة كأسلوب بالغ التأثير في تخدير البشر، وإلهائهم عن القضايا الأساسية للدولة والشعب. والقاعدة الرومانية المناسبة والفعّالة في كل زمان ومكان: الشعب الذي لا يتسلى، يثور!

ربما يتذكر الكثير من الإخوة تصريح جورج بوش الابن عام 2002، إبان إقامة كأس العالم لكرة القدم في كوريا واليابان، الذي تمنى فيه أن تقام كأس العالم كل سنة! لأنه وجد أن الناس تنصرف عن أهم القضايا الداخلية والخارجية عندما تجد التسلية المناسبة، وكان جورج بوش في إطار الإعداد لغزو العراق وتحطيم هذا البلد العربي العملاق! وهناك الكثير من التصريحات التي نعرفها عن كرة القدم التي توضح أهميتها السيكولوجية: «مسألة التأهل للبطولة، مسألة حياة أو موت» مما يدل على الفرح العارم لتحقيق الذات «اعتراف الآخرين بك» عند الفوز، والحزن والإحباط عند الهزيمة. وزيادة عدد الدول المشاركة في معظم النهائيات، ككأس العالم أو بطولة أمم أوروبا، ناهيك عن بطولات الأندية، لدليل على أهمية كرة القدم بشكل خاص في إلهاء الجماهير عن حتى القضايا المصيرية! وليس الذنب لكرة القدم، وإنما لمن يستغل هذه اللعبة الجماهيرية ويسخرها لأغراض غير رياضية!

وعلى المستوى المحلي، هناك الدوري العام لكرة القدم، وكأس الدولة، إضافة للاشتراك في المسابقات القارية وربما الدولية، التي تجعل أذهان المشجعين مشغولة بشكل كبير بما سيحققه فريقهم هذا العام، إضافة إلى تحقيق الاعتراف من قبل الآخرين كما كتبت في مقال سابق

اعتراف هيجل وكرة القدم

ورأينا بأم أعيننا كيف تذهب الجماهير إلى الملاعب بأعداد هائلة، لتشجيع أنديتها رغم ظروف الحرب، والظروف الاقتصادية الصعبة. وتصرف الحكومات الأموال الطائلة لبناء الملاعب، وتأمين الحماية للاعبين والمنشآت الرياضية، بتوظيف عشرات الآلاف من رجال الأمن، بينما تجد مئات الآلاف عاطلين عن العمل وبلا سكن! وتقوم وسائل الإعلام المختلفة بإضفاء أقصى الأهمية على تلك المباريات، بالنقل المشفر لزيادة الشغف بالرياضة عمومًا، وكرة القدم خاصةً. وتخصيص أشكال وألوان من البرامج الرياضية للتحليل و«الشجار» بين المحللين للمزيد من الإثارة ولفت الانتباه!

ولنتذكر ما حدث في إستاد هيزل في بروكسل ببلجيكا في 29 /5 /1985 قبيل مباراة يوفنتوس وليفربول في نهائي أبطال أوروبا، إذ قُتل بسبب الشجار بين أنصار الفريقين، والتدافع الذي حصل بسببه 39 مشجعًا أوروبيًّا أغلبهم من الطليان، وظن المشاهدون عبر شاشات التلفزيون وهم مئات الملايين أن المباراة ستلغى، بل إن البطولة الأهم عالميًّا ربما تتوقف لسنوات، فالقتلى ليسوا من العالم الثالث، بل من العالم «الأول» المتحضر الذي يهتم بـ «أظافر» مواطنيه! إلا أن كل توقعات المشاهدين والمحللين ذهبت أدراج الأهداف الخفية التي يراد تحقيقها من كرة القدم، وأهمها إلهاء الشعوب. أُخرجت الجثث من الملعب وأقيمت المباراة، وللإنصاف فإن لاعبي الفريقين لم يكونوا على علم بما جرى قبيل المباراة!

الخاتمة

هذه ثلاث وسائل فقط من الوسائل الناجعة لهندسة المجتمع في الدول الديمقراطية، ليبقى أفراده تحت السيطرة وهم راضون ومستكينون، وربما ممتنون للدولة لما توفره لهم من أمن وتسلية! نرى هؤلاء الناس، «المهندَسون» على الطرق التي ذكرناها آنفًا، في أمريكا وأوروبا وقد «شربوا» المقلب ووقعوا في الفخاخ التي نصبتها ديمقراطياتهم، ولذلك فهم يصدقون ما ترويه وسائل الإعلام المتآمرة مع الدولة الديمقراطية! ونرى تعصبهم ضد «الإرهاب الإسلامي» غير الموجود أصلًا، إلا في «فبركات» استخباراتهم! أما في الدول غير الديمقراطية كروسيا والصين مثلًا وبقية «العوالم»، فالكل مستكين ومقتنع بحياته رغم أنفه، فالدولة غير مضطرة للكذب، حيث يُستخدم الرصاص والسجون بدون حاجة للتبرير!

للموضوع بقية فهناك وسائل أخرى أدهى وأكثر خبثًا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد