حين أقرأ ما كتب العظماء والمفكرون والفلاسفة عن الحرية وأهميتها، محاولين أن يصوغوا أدق المفاهيم لها، وحين أستذكر قول الفاروق عمر ابن الخطاب: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟، وحين تحضرني أقوال مثل أتيت لأخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، وحين أقرأ قول غيفارا الطبيب الأرجنتيني الذي خرج من روزاريو على دراجة نارية ليحرر الفرد في أمريكا اللاتينية: لو أمطرت السماء حرية لرأيت بعض العبيد يحملون المظلات، وحين أعي قول فيكتور هيغو حرروا الحرية والحرية تقوم بالباقي، أو قول مالكوم إكس: لا يستطيع أحد أن يهب لك الحرية ولا يستطيع أحد أن يمنحك العدل أو المساواة أو أي شيء آخر، فإن كنت رجلًا فعليك أن تأخذها بنفسك.

وأعود بذاكرتي إلى ما قدمته عديد البلدان والدول من تضحيات مادية ومعنوية من أجل هذه الكلمة كفيتنام والجزائر، أشعر بالأسى والحسرة حين أرى أناسًا أبوا إلا أن يعيشوا سجناء القيد وآثروا إلا أن يتواجدوا تحت رحمة سلطة ما، مهما كانت ومهما ظلمت، رمزية أو مادية، تتملكني الحيرة والدهشة حين يصادفني في حياتي أناس رضوا بأن يعيشوا كما يرغب الآخرون لا كما يرغبون هم، أناس لا زالوا إلى الساعة يتماشون مع نمطية حياتنا الساذجة والمهترئة، كيف لا وهم لا زالوا غارقين في تلك التقاليد والعادات التافهة التي لا طائل منها سوى العيش على منوال الأسلاف الذين أرادوا لنا أن نبقى تحت أسر فكرهم المحدود -مع كامل احترامنا لهم، لذلك فان أكثر ما يستفز في حياتهم هو جنون الرسميات والجديات؛ مما جعل خوفهم من نظرة الناس كابوسًا يطاردهم، فهم يبدون للعالم كأصحاب العقد النفسية ويبدو لهم بقية الناس كالمستهترين أو المتهورين، لذلك تجدهم في أغلبهم لا يزالون لحد الساعة يؤمنون بأن نفس الأسباب تؤدي لنفس النتائج، في حين أن النتيجة والسبب أصبحا شكليات في زمن البراغماتيات، زمن أصبحوا يمتهنون فيه باحتراف كبير دور الجدي في حياة، هي في حد ذاتها مسرحية هزلية، ولا يزالوان يعتقدون أن من يغلق قميصه حتى الزر الأخير أو يرتدي ربطة عنق أحق بالاحترام والتقدير والتمجيد من غيره.

 لماذا يفضل الكثير اليوم أن يعيشوا عبيدًا وأسرى لأعراف لا أهمية لها سوى أنها تخدعنا وتوهمنا أننا لا زلنا نعيش في عالم أفلاطوني، في حين أن الواقع نقيض ذلك، فالحياة اليوم مليئة بالمتملقين والمنافقين الذين يبتسمون أمامك ليطعنوك في ظهرك، فالواحد منهم لا يهنأ له بال حتى يقدمك قربانًا ليكسب رضا أسياده، هم هكذا يحبون القفز على أكتاف الاخرين فهكذا يحققون المجد، يدَّعون حب التفوق والنجاح، وهم لا يرضونه لغيرهم، لأنهم لا يزالون سجناء الحقد والكراهية للأشخاص، حقد عادة ما يخفونه وراء تلك الأقنعة البريئة وملابسهم الفاخرة التي هي غالبًا ما تكون أغلى من ذات من يرتديها، لذلك يسعون جاهدين لدفع العصا في عجلتك، لأن هدفهم الأول هو انتقال الناجح من القمة للحضيض، لأن ذلك سيكون يوم عيد بالنسبة لهم وسيفسح لهم المجال ليبلغون مكانة مرموقة في نظرهم، والأدنى والأمرُّ من كل هذا أن تواجدهم لا يقتصر على مجال واحد أو طبقة اجتماعية واحدة، فأنت تقابلهم أين ما ذهبت ومهما تقدم بك السن في كل مراحلك العمرية، بل أصبح الواحد منهم يسعى لتلقين أبنائه فنون التملق والنفاق الاجتماعي لأنه يعرف جيدًا أن التمرد وحب التحرر والصدق والنزاهة في مجتمعاتنا تقضي عليه في أول منعطف من حياته، وسيجعل مستقبل ابنه هباءً منثورا، لذلك فشعارهم في الحياة كالمثل الشعبي «ادعي الجنون تعيش سعيد»، وإن خلت سعادتك من الكرامة والأنفة. ويجعلوننا نتيقن أن كلام (ابن نبي) صحيح، بأننا نحن شعوب مَرَضُنا الأول قابليتنا للاستعمار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد