التمسك بما انتهت صلاحيته المجتمعية، ومن انتهت صلاحيته الإنسانية، لا يدوم طويلًا، فما إن يستسلم العقل للوعي حتى يبدأ هذا الأخير في القيام بدوره في التجلي بالذات وفي الذات. الوعي الذي يجعلنا نصدر أحكامًا قيمة على الأشياء والأشخاص والسلوكات؛ فنرفضهم أو نقبلهم، بناء على قناعات أخلاقية. وعي مرتبط بمدى شعورنا بالمسؤولية تجاه أنفسنا بالأساس ثم تجاه الآخرين.

على الرغم من أننا نمتلك الشجاعة لنقرر في العديد من الأمور المهمة، ونمتلك القوة للمرور؛ مما بعد القرار الصعب بعزيمة، إلا أن قرار التخلي عن شيء أو شخص يبقى أمرًا شديد الحِدة ويحتاج تدريبًا قاسيًا للنفس كي تتمكن من تجاوز مخلفاته، في حين تحتاج منا المدينة التي لاتنام إلى مراودة للذكريات دون تأنيب للضمير وشعور محزن وموجع يجعلنا في تعاسة.

 التخلي ليس قرارًا نأخذه بين ليلة وضحاها، بل هو مجاهدة ورياضة باطنية نقوم بها مع أنفسنا فنغلبها تارة وتغلبنا تارة أخرى. نحن إذ نقوم بالتخلي عن أشياء أو أشخاص أو حتى سلوكيات فإننا حينها نقوم باستئصال ما كان بالأمس القريب جزءًا من يومنا، فلا تنتظر عزيزي القارئ أن تكون مرحلة التخلي هذه سهلة، بل كن مستعدًّا لها ولضغوطاتها وما يرافق بدايتها من أفكار سلبية.

ما تقوم به الأم في السنوات الأولى مع طفلها لتربيته على نمط عيشٍ معين، لتعلمه ما عليه أن يفعل وما عليه أن يتجنب، بمن يثق وبمن لا، معانات الأم في هذه المرحلة حتى يخرج طفلها من طور الجهل إلى المعرفة هي نفسها المعانات التي سيواجهها الواحد منَّا إذا اختار التخلي، فالنفس تمامًا كالطفل، يُخيل له أنك تمنعه؛ مما يُحب دون أي سبب لأنه حينها في سن لا يسمح لنا أن نفسر له كل شيء، ولا يمكنه فيه أن يفهم الحكمة وراء ذلك.

 في موضوع التخلي نحن بني البشر ننقسم إلى قسمين، القسم الأول هم أناس متعجرفون لا يرون أنه عليهم التخلي عن شيء؛ لأن سلوكاتهم جيدة ومحيطهم هادئ وكل شيء تمام، لا ينظرون خللًا بداخلهم، ولا حولهم، إذًا فلا مجال للتغيير. هذا الصنف من الناس يبقى قابعًا في مكانه، يتقدم في السن دون أن ينضج، دون أن يزيد مستواه المعرفي، ودون تزكية للنفس.
القسم الثاني من الناس يغوصون على عيوبهم، يتأكدون من ضرورة تغييرها ويُنَظِّرون لذلك وفي الأخير يظل هذا مجرد ألفاظ لا فعل يترتب عنها، وكذلك أيضًا يعلمون أن بعض البشر في محيطهم ليست لهم أية إضافة، بل فقط يستنزفونهم، يستنزفون مشاعرهم، يسرقون أوقاتهم، يمتصون كل حُلوٍ فيهم ولا يُقررون التخلي، بالرغم من أنه لا بوادر توحي بِتَغَيُّر هؤلاء البشر لا عاجلًا ولا آجلًا.
قلت نحن معشر البشر ننقسم في هذه المسألة إلى قسمين، لكن سأتحدث عن آخرين هم أقل من أن يقال عنهم قسم، ولا فئة، هم قلة، نادرون جدًّا، تكاد لا تجدهم. هؤلاء يبحثون عن الخلل، يزيلونه ثم تنتهي الحِكاية. هذه القدرة الرهيبة على التخلي تصير أحيانًا أمرًا سلبيا في حياتهم، لأن قلوبهم تصبح قاسية وتتجمد مشاعرهم، ليصبح التخلي عادة يفعلونها مع كل شيء، أو شخص، لن أقول: مزعج، بل لأنه أزعجهم مرة واحدة. نصيحتي كن مع هذه الفئة، لكن باتّزان.
في التخلي تجلِّ، كلما تخليت عن الأشياء السيئة والأشخاص الخطئ في حياتك كلما ظهرت لك أمور خفية لم يكن بصرك يصل إليها من قبل. أنت إذا غيرت سلوكياتك السيئة وأخلاقك الغير لائقة سيسمح لك هذا باكتشاف جانب آخر في شخصيتك لم يكن باديًا لك في السابق، سيبدو لك جليًا كم كنت سيئًا من قبل، وسيتجلى أمامك الطريق الصائب والسلوكيات الأنسب. نفس الشيء حينما ستتخلى عن أشخاص لعبوا دور الفرامل في مسيرتك، سيتجلى أمامك أُناس رائعون ما كنت تراهم من قبل لأنك كنت معميًا بالأشخاص الخطأ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد