ما المقصود بالذكاء؟

لم يتفق العلماء على تحديد معنى واحد للذكاء، فقد صنفه البعض وفق وظيفته، في حين عرفه آخرون حسب بنائه. إلا أن التعريف النموذجي لكلمة الذكاء هو القدرة على اكتساب المعرفة وتطبيقها، أو قدرة الشخص على التأقلم بشكل أفضل مع الظروف المحيطة عن طريق استغلال المصادر المتاحة لحل مشكلة معينة.

كما بين بعض العلماء اختلاف الذكاء أو تصنيفه وفق البيئة أو الموقع، فالتاجر الذكي على سبيل المثال هو الذي يستطيع المحافظة على أرباحه، واجتناب الخسائر بقدرته التحليلية للأسواق والأوضاع الراهنة، أما الحاكم الذكي هو الذي يستطيع الانتصار في المعارك، أو اتخاذ القرارات السياسية التي يكون لها أصداء إيجابية، وهكذا.

قياس الذكاء

في أوائل القرن العشرين، بدأ عالم النفس الفرنسي ألفريد بينيت، وزميله هنري سيمون العمل على وضع مقياس من شأنه أن يبين الفروقات العقلية بين الطلاب، وكان الهدف من هذا المشروع هو مساعدة المعلمين على التفريق بين قدرات الطلاب، وبالتالي تحسين قدراتهم وتحصيلهم الأكاديمي.

طورا بينيت، وسيمون ما يعتبره معظم علماء النفس اليوم أول اختبار ذكاء، وهو اختبار يُستخدم لقياس نسبة الذكاء الموجودة لدى شخص ما، ويُحدَّد ما يعرف بالذكاء التقريبي بناءً على نتيجة الاختبار. وعلى الرغم من دقة هذا الاختبار، إلا أنّ عملية تحديد نسبة الذكاء ليست بالعملية السهلة، فلا يجب أن يقارن أي شخص بنتيجة اختباره مع غيره من الأشخاص؛ لأن لكل فرد تميزه.

لا يمكننا الاعتماد على هذا النوع من الاختبارات بشكل كامل، إذ يعتبر دوره تقريبيًّا فقط. إذ يركز بشكل كبير على قدرة الإنسان التحليلة والمنطقية للأمور، بعيدًا عن قياس قدراته الجسدية، أو العاطفية، أو الاجتماعية الأخرى التي يمكن أن تميز شخصًا عن آخر. لذلك لا يمكن الاعتماد على مثل هذه الاختبارات بنسبة 100%.

أنواع الذكاء

أطلق أستاذ التربية في جامعة هارفارد، هاوارد جاردنر، كتابه أُطر العقل، وقد أورد فيه نظرية أنواع الذكاء، وعرّفه بأنّه مجموعة من القدرات التي يَمتلكها الشخص في مجالات كثيرة، وتكون هذه القدرات مُستقلّةً عن بعضها البعض.

لم يتفق جميع علماء النفس مع نظرية هاوارد عن تعدد أنواع الذكاء، إلا أن العديد من المهنيين قاموا بتجريب نظريته وتطبيقها والاستفادة منها.

ساعدت النظرية المعلمين على فهم طلابهم بشكل أفضل، إذ تبين النظرية أهمية تغيير طرق تعلم الطلاب وتنوعها، وأوجدت أطرًا تعليمية تساعد المعلمين على تنظيم وتقييم المناهج والممارسات التربوية، والتي نتج منها تلبية احتياجات المتعلمين بشكل يتناسب أكثر مع قدراتهم.

بين جاردنز سبعة أنواع مختلفة من الذكاء وهي: لغوية، ومنطقية، وموسيقية، وحركية، ومكانية، واجتماعية، وفردية كما أضاف أن هنالك أنواع أخرى غير مكتشفة بعد تدل على تميز الإنسان ومهاراته وقدراته المتعددة. ذكر جاردنز أهمية النظرية القائمة على الذكاءات المتعددة، وأن الإنسان لديه القدرة على زيادة مستوى ذكائه في مجال معين إذا توفر التشجيع والتحفيز المناسبين.

الذكاء الاجتماعي

سنتحدث اليوم عن أحد أنواع الذكاء، وهو الذكاء التفاعلي (الاجتماعي). يعتبر هذا النوع من الذكاء من أهم المهارات التي تميز الأشخاص في عالمنا المنفتح اليوم. وعادةً يميل هؤلاء الأشخاص إلى مخالطة الناس والتفاعل معهم، ويحبون بناء علاقات اجتماعية، ولا يجدون صعوبةً في التواصل مع الآخرين حتى الغرباء منهم.

يعرف الذكاء الاجتماعي على أنه القدرة البشرية على التنقل والتفاوض في العلاقات الاجتماعية المعقدة والبيئات المختلفة بفعالية. وأحيانًا يشار إليها ببساطة على أنها المهارات التي يتمتع بها أشخاص معينون. ويساعد هذا الذكاء أصحابه على تحصيل ما يريدون عن طريق استخدام طرق الإقناع والتحدث الخاصة بهم.

يمكنك تمييز ذكاء شخص معين اجتماعيًّا من تصرفاته، حيث يتمكن الشخص الذكي من جذب الآخرين إليه، واكتساب حبهم واحترامهم، ويكمن ذكاؤه في قدرته على فهم الأفراد باختلاف أفكارهم ومنابتهم وحتى أعمارهم. في حين أن الشخص الأقل ذكاءً اجتماعيًّا يجد الكثير من العثرات في التعامل مع الآخرين، والذي يمكن أن ينتج منه صورًا سيئة أو قلة احترام للآخرين.

أهمية الذكاء الاجتماعي

زاد الانفتاح والتكنولوجيا في الوقت الحاضر من أهمية التواصل مع الآخرين، إذ أصبح الانخراط الثقافي مهمًا لتقدم المجتمعات؛ مما زاد من أهمية قدرة الأشخاص على الانخراط والتكيف مع المتغيرات والمستجدات. يساعد الذكاء الاجتماعي الأشخاص على التفاعل بطرق أسهل وأقل تعقيدًا من غيرهم مع الآخرين، خصوصًا مع الأشخاص المختلفين، سواء ثقافيًّا أو لغويًّا أو دينيًّا.

كما بين ديفيد ليفربول في كتابه الفروقات الثقافية، أن الأفراد الذين يتحلون بمستويات ذكاء اجتماعي مرتفعة أكثر نجاحًا في مكان العمل؛ لأنهم يستطيعون فهم مشاعرهم، وأسباب تصرفهم بطرق معينة، بالإضافة إلى استيعاب تصرفات الآخرين وتفاعلاتهم معهم. في حين يواجه الأشخاص الذين يقل ذكاؤهم الاجتماعي مشاكل أكبر في أماكن العمل. وبيّن أهمية الانفتاح الثقافي والاجتماعي، وتقبل الآخرين وتأثيره الإيجابي على الأفراد بزيادة الفرص المتاحة وتطوير المهارات الاجتماعية.

وأخيرًا تعتبر هذه الذكاءات من الصفات أو السلوكيات المكتسبة، أي القابلة للتطوير؛ لذا يمكننا العمل على تنمية مهاراتنا الاجتماعية وتطويرها عن طريق تحديد نقاط القوة والضعف في شخصياتنا والعمل عليها. لذا يجب على الجميع استغلال الفرصة الآن، ومراجعة المهارات الاجتماعية، والعمل على تحسينها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست