هل يمكن للمرء أن يعيش سعيدًا في وسط لا يشبهه؟ السؤال هذا لا يعني فقط المهاجر أو المهجر ولا يرتبط حصرًا بمفهوم الغربة المكانية أو حتى الثقافية، بل يتجاوزها ليشمل شكلًا جديدًا يمكن أن نصفه بغربة اجتماعية. والمقصود هنا الصورة التي باتت مميزة لواقع شعوب عربية كثيرة غادر التجانس مجتمعاتها وبرزت في شكل حياتها مظاهر تفاوت طبقي مخيفة.

في دول يحسب لها قوة أنظمتها الاجتماعية كفرنسا مثلًا، يصعب على المرء الفصل بين الناس وفق مستوياتهم المادية بالعين المجردة، القصور ومساكن الميسورين تستقر في هدوء تام خارج المدن، تكتم ما بداخلها وتحتفظ به لنفسها. الميسور العربي يعيش حياته في الغالب وكأنه يستمد متعتها من فقر الفقراء. مظاهر الرفاهية عندنا باتت هدفًا يترجم الرقي في نظر الكثيرين. أعداد السيارات الفارهة التي تعج بها شوارع دول فقيرة المداخيل تفوق بكثير كمها في دول مصنعة للسيارات. شوارع كبرى في أحياء راقية تملأ جنباتها لوحات طلب التبرعات للمشاريع الخيرية وإشهارات القروض الاستهلاكية. جزء كبير من مجتمعاتنا وكأن نصفه يشتغل عند نصفه الآخر. والخطير هنا أن حياة المظاهر هذه تنخر بالخصوص ما فضل من أهل الطبقة المتوسطة التي تشكل عصب الأمم حقيقية التنمية.

الخوض في مشكلة التفاوتات الاجتماعية العميقة بالعالم العربي ليس بالضرورة حاملًا لفكر يساري، بل يفرضه واقع تتجه فيه الطبقة المتوسطة نحو الاختفاء بفعل إهمال حكومات كثيرة للتنمية الاجتماعية عبر تقوية الخدمات العمومية الأساسية، وارتماء أخرى ربما بحسن نية نحو فخ توجيه الدعم بشكل حصري لمعدومي الدخل بتمويل من محدوديه. هذه الحكومات نفسها تقف عاجزة أمام مصادر التمويل الحقيقي، التي تنطلق من محاربة الريع الاقتصادي المستشري، وتمر عبر خوض معركة التهرب الضريبي وتبنى على ثورة إصلاح ضريبي يتناسب مع الدخل ويؤسس لعدالة اجتماعية حقيقية.

انهيار الطبقة المتوسطة العربية بفعل الإجراءات الاقتصادية التي تضعها أساس تمويل مشاريع الدعم الموجه والتي لا تصل في الغالب الفئة المستهدفة بشكل صحيح، هو خطر حقيقي يهدد استقرار الدول المعنية. إذ لا يمكن الاستمرار في الاعتماد على توازنات مجتمعية تلقائية تجعل التعايش بين مختلف الطبقات ركيزة للتماسك الاجتماعي. فبالتحاق جزء كبير من هذه الفئة بطبقة الفقراء تصبح المسافة الحقيقية بين ميسوري الحال وبسطائه شاسعة لا يمكن بناء شيء داخلها، غير الإحساس بعمق غياب العدالة الاجتماعية الذي يغتال الأمل المشروع في الترقي الاجتماعي عبر الجهد الخالص. في هذه الظروف تصبح مغادرة السفينة متصدرة لأحلام معظم الشباب والاستعداد لمغادرتها هاجس أغلب الميسورين الذين يدركون أن الأمن الحقيقي يبنى على العدالة الاجتماعية وفي غيابها تكبر احتمالات الانفجار الذي يأتي في أيام على ما راكمته سنين.

لنكن صادقين مع أنفسنا. في الدول التي لم تفلح في صناعة ديمقراطية حقيقية سليمة الأركان، عدالتها ثابتة النزاهة تطال الجميع دون استثناء، الاغتناء المشروع المؤسس على المجهود الخالص فقط، الذي يخلو مسار بلوغه من شوائب تستفيد من غياب تكافؤ الفرص بمختلف الصيغ الممكنة، هو شبه مستحيل. ولهذا فالإمعان في تقديمه نجاحًا يمنح أصحابه حق شراء البشر والحجر هو لعب بالنار في عصر صغيره يتمتع بالنضج الكافي للفصل بين الطالح والصالح. الحل ليس في النزوح نحو إقامات خاصة محكمة الحراسة تزيد الهوة بين طبقات المجتمع وتصنع غرباء داخل أوطانهم، بل في فتح صفحة جديدة مع المستقبل صلبها بناء العدالة الاجتماعية.

إن ترك فقراء المجتمعات ومحتاجيها لمواجهة مصائرهم وحيدين في وطن يملكونه تمامًا كما يملكه من اكتسبوا ثرواتهم منه، هو حكم على المجتمعات بصدامات مستقبلية حتمية، التفكير بشكل أكثر آدمية والتعايش بصيغ محترمة للإنسانية وحده كفيل بتجنيبنا أحداثها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد