في عصر أصبح فيه كل ما نبحث ونسعى إليه من معلومات ومعارف في شتى المجالات واللغات على بعد نقرة صغيرة؛ لتظهر لنا عبر شاشة تتسع لها قبضة اليد، تحول العالم على مر عقدين من الزمن شهد خلالهما طفرة رقمية لم يسبق لها مثيل، إلى فضاء رقمي غير محدود جغرافيًّا، ولم تعد العلوم والمعارف حكرًا على فئات معينة من المجتمع. وبات بإمكان كل واحد منا أن ينهل من مصادر العلم والمعرفة التي يزخر بها الفضاء الرقمي ما شاء، ولكن هل هذا ينطبق على شبابنا العربي اليوم، وهل هم بالفعل يسخرون ثورة القرن الرقمية في ما يعزز من معارفهم ويرتقى بمهاراتهم على الصعيد الاجتماعي والمهني؟

في الحقيقة لا، وهنا أشير إلى النسبة الأكبر منهم، وليس الجميع. ويمكنكم ملاحظة ذلك بشكل واضح في مجتمعاتنا العربية، إذ إن معظم شبابنا اليوم أصبحوا من مدمني منصات التواصل الاجتماعي، وبات لديهم ما يُعرف بهوس LIKE (اللايك) على هذه المنصات، ولعل هذه الظاهرة شائعة عالميًّا، ولكن في عالمنا العربي وصل هذا الإدمان إلى مستويات خطيرة، حيث بات شغلنا الشاغل ما الذي يتم تداوله على هذه المنصات، وكيف ينظر الآخرون إلى شخصيتنا الافتراضية في العالم الرقمي -التي في كثير من الأحيان تكون مخالفة تمامًا لشخصيتنا الحقيقية-، لدرجة أننا أصبحنا معزولين تمامًا عن الواقع الحقيقي في المجتمع، وما يجري على الأرض، وعن كل ما يعزز من تجاربنا الحسية المسؤولة عن صحتنا النفسية والعقلية.

وهنا يمكنني القول، وبالاستناد إلى العديد من الدراسات والأبحاث التي أجريت بهذا الصدد، إن الاستخدام المطول لوسائل التواصل الاجتماعي يؤثر سلبًا في الصحة العقلية والنفسية لمستخدميها، وفي طبيعة علاقاتهم الاجتماعية. ولنأخذ مجتمعاتنا العربية مثالًا، والتي تعد فيها الاجتماعات العائلية واللقاءات الجماعية من التجارب الحسية التي تعزز علاقة أفرادها في ما بينهم بشكل عام، إذ تكون مثل هذه اللقاءات مفعمة بالنقاشات والأحاديث المباشرة التي نندمج فيها بكل حواسنا. ولكن يا ترى هل مثل هذه اللقاءات ما زالت كذلك؟ لا لم تعد كذلك، إذ أصبح وجود شبكة واي فاي على سبيل المثال من الشروط الأساسية للتواجد في أي مكان، سواء في البيت أو المقهى أو الجامعة. وأصبحنا نرى أن اللقاءات الاجتماعية، سواء العائلية أو بين الأصدقاء، يسودها الصمت بشكل عام وعدم التفاعل الحسي المباشر، ولكن أفرادها يكونون في تلك الأثناء فاعلين وبنشاط على منصات التواصل الاجتماعي.

وهنا قد يتساءل البعض ما علاقة منصات التواصل الاجتماعي بكل هذا، وكيف لها أن تؤثر في صحتنا العقلية والنفسية؟

في دراسة أجرتها جامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة تحت عنوان «لا للخوف من تفويت الأحداث: الحد من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يخفف الشعور بالوحدة والاكتئاب» (No More FOMO: Limiting Social Media Decreases Loneliness and Depression)، تبين أن الاستخدام الكبير لمنصات التواصل الاجتماعي من فيسبوك وتويتر وإنستجرام وغيرها يوميًّا، له تأثير واضح في الصحة النفسية، وتنامي الشعور بالوحدة والاكتئاب لدى مستخدميها. هذا وقد أجرت الدراسة اختبارًا على مجموعتين تم اختيارهما عشوائيًّا من مستخدمي هذه المنصات، إذ طُلب من المجموعة الأولى استخدام المنصات التي ينشطون عليها لمدة لا تتجاوز 10 دقائق يوميًّا لكل منصة، بينما سُمح للمجموعة الثانية باستخدامها كما اعتادوا على استخدامها وذلك لمدة ثلاثة أسابيع. وتبين بعد ذلك أن المجموعة الأولى سجلت تحسنًا كبيرًا من ناحية تراجع الشعور بالوحدة والاكتئاب مقارنة بالمجموعة الثانية. وتفيد الدراسة بأن التأثير الإيجابي لاستخدام منصات التواصل الاجتماعي بشكل أقل من المعتاد كان واضحًا على الأشخاص الذين كانوا أكثر اكتئابًا عندما تطوعوا لهذه الدراسة.

ولكن كيف ذلك؟ جميعنا يعلم بأن هذه المنصات الرقمية باتت بمثابة مساحة اجتماعية مهمة في حياتنا، والتي نحاول من خلالها إبراز أنفسنا ولفت الانتباه إلينا، وهذا الانتباه والوجود الذي نحاول تحقيقه مرهون بعدد الإعجابات والتعليقات والتفاعل مع كل ما ننشره عليها من أنشطة نقوم بها في الحياة الواقعية وصور وغيرها، إذ أصبح من الضروري لمستخدمي هذه المنصات توثيق كل ما يقومون به بالحياة العادية أولاً على فيسبوك أو إنستجرام. وفي حال لم ينجح ما شاركوه من صور ومنشورات بحصد الإعجابات والتفاعل كما كانوا يتوقعون، يصابون حينها بالخيبة وينتابهم ذاك الشعور بعدم الرضا عن النفس، حتى لو كانوا راضين تمامًا عن محتوى ما شاركوه.

فعندما تتلقى منشوراتنا العديد من الإعجابات نشعر بالسعادة، وبأننا محط أنظار الآخرين في العالم الافتراضي، لذا نحرص على منح المزيد من وقتنا لهذه المنصات والتفاعل مع العالم الافتراضي على أنه العالم الحقيقي، ونشعر بأن من يضعون تلك «اللايكات» على منشوراتنا هم جمهورنا الحقيقي، متجاهلين العالم المادي وما يرتبط به من تجارب حسية تؤثر تأثيرًا أساسيًّا في طبيعة سلوكنا وصحتنا النفسية.

كما أن لنوعية التعليقات التي قد نتلقاها على منشوراتنا تأثيرًا كبيرًا في مستوى ثقتنا بأنفسنا وتقديرنا لذاتنا، إذ إن بعض التعليقات قد تكون مخيبة، ولا ترتقي لمستوى توقعات صاحب المنشور الذي شاركه وهو يتوقع بأنه سينال إعجاب كل من يشاهده. وقد يصل الأمر أحيانًا إلى حذف ما شاركناه أو إخفائه بعد تلقي عدد من التعليقات السلبية، والشعور بعدها بالخيبة وفقدان الثقة بالنفس، وهذا بدوره سينعكس بكل تأكيد على سلوكنا في الحياة الحقيقية.

كما أن منصات التواصل الاجتماعي تعج بحالات التنمر، ولنسمها هنا التنمر الاجتماعي الرقمي، فهناك عدد كبير من مستخدمي هذه المنصات يتعرضون لمضايقات، سواء عبر التعليق على منشوراتهم، أو نشر محتوى مسيء يتعلق بهم، مما يزيد من توترهم والمشاعر السلبية لديهم.

وبالإضافة إلى كل ذلك، هناك حالات من التوتر التي تصيب البعض، سببها هو خوفهم المتزايد من أنهم قد يفوتون أي أحداث جديدة يتم تداولها على هذه المنصات كلما أغلقوا هواتفهم، مما يثير قلقهم بصورة دائمة، لذلك يحرصون أن يبقوا على اتصال دائم بمنصات التواصل الاجتماعي، وإلقاء نظرة سريعة لاستعراض ما يتم تداوله عليها كل ساعة، وبالتالي تشتيت انتباههم وتركيزهم عن الكثير من الأمور التي تخص حياتهم الواقعية، سواء دراسة أو عمل أو غيرهما.

فما رأيكم بكل ما سبق؟ وهل نحن حقًّا أمام معضلة كبيرة سببها الإدمان المتزايد على استخدام منصات التواصل الاجتماعي؟ وهل شبابنا العربي ونحن بمنأى عن ذلك؟ ألا يجب علينا اتخاذ خطوة جريئة للتحكم أكثر بهذا الإدمان الرقمي على منصات التواصل الاجتماعي، والتوجه نحو المجتمع المادي الحسي الحقيقي، إلى جانب تنمية المعرفة بكيفية تحقيق الاستفادة من هذا الفضاء الرقمي الشاسع، والمليء بالثقوب السوداء التي يقتاد إليها شريحة كبيرة من شبابنا اليوم؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد