وسائل السيطرة والتلاعب بالعقول

أغلبنا يتذكر كتاب «المتلاعبون بالعقول» لعالم الاجتماع والكاتب الأمريكي «هربرت شيللز»، الذي ترجمه الكاتب «عبد السلام رضوان» ضمن سلسلة «عالم المعرفة» في التسعينيات من القرن الماضي، والذي يشرح استخدام وسائل التضليل الإعلامي للتأثير في العقول بالولايات المتحدة الأمريكية، وخاصة من جهة الإعلام، والذي يضع عملية تداول الصور والمعلومات، ويشرف على معالجتها وتنقيحها، ويحكم السيطرة عليها، ويتحكم في الصور والمعلومات التي تحدد معتقدات البشر ومواقفهم. كما يتناول الكتاب دور الإعلام التقليدي في التلاعب بالعقول والتوجيه السياسي، والاجتماعي، والاقتصادي لشرائح هائلة من البشر، واستخدام أذكى الأسلحة لتغيير عقول البشر، بالتركيز على جانب من الصورة، ودون شرح الصورة كاملة.

ويقول المترجم في مقدمة الكتاب إن تضليل عقول البشر – على حد قول «باولو فريري» المفكر المعروف- يمثل «أداة للقهر»؛ فهو يمثل إحدى الأدوات التي تستخدمها النخبة، وصولًا إلى تطويع الجماهير لأهدافها الخاصة، ويضمن المضللون من خلالها التأييد الشعبي للنظام الاجتماعي، والذي لا يخدم في المدى البعيد المصالح الحقيقية للأغلبية.

والحكام لا يلجؤون إلى التضليل الإعلامي إلا عندما يبدأ الشعب في الظهور إرادة اجتماعية في مسار العملية التاريخية، أما قبل ذلك فلا وجود للتضليل، بل نجد بالأحرى قمعًا شاملًا؛ إذ لا ضرورة لتضليل المضطهدين، عندما يكونون غارقين لآذانهم في بؤس الواقع.

ويتذكر الجميع ما فعلته قنوات كبيرة، مثل السي إن إن، في أثناء الحرب على العراق 2003، وما يزال يستخدم حتى اليوم في الإعلام المرئي، والمسموع، والمقروءة، للتحكم في الصورة المقدمة للجمهور العربي.

ولا ننسى الاتهامات الموجهة للرئيس الأمريكي ترامب بفوزه في الانتخابات الأمريكية؛ نتيجة دعم روسيا له من خلال آلاف الحسابات على فيسبوك، وانتقادمنافسته هيلاري كلينتون وتشويهها، وهو ما يزال اتهامًا قائمًا وجديًّا حتى الآن.

طبعًا كلامي لا يصب في كلام المتحدثين عما يسمى خرافات حروب الجيل الرابع، والخامس، والسادس، والسابع، والتي لا نعرف لها تعريفًا مفهومًا حتى الآن، والتي تستهدف ضرب الإعلام غير الرسمي والخاص، وتكبيل حرية نشر المعلومات.

ويتضح جليًّا استخدام الأنظمة العربية، ومنها النظام المصري، منهج التلاعب بالعقول من خلال وسائل الإعلام التقليدي، يزداد خطورة مع إعلام السوشيال ميديا «فيسبوك، وتويتر، وإنستجرام، ويوتيوب».

والتي أصبحت مجالًا للملايين من البشر، يستخدمونها يوميًّا، وهي أسرع في الوصول لعقولهم، والتي فتحت الباب وأعطت قيمة لوجهات نظر كل فرد، بصفته الشخصية، وهو ما أعطى قوة على المستوى النفسي والاجتماعي لكل فرد على حدة، وأدى إلى المزيد من العزلة الاجتماعية، وبالتالي إضعاف آليات التنظيم السياسي والاجتماعي الجماعية الأخرى في مواجهة الحكومات.

أصبح كل فرد يتصور نفسه حزبًا بمفرده، ومتواصلُا مع الآلاف من الأشخاص الآخرين، وأن بإمكانه فعل شيء ما على شبكة الإنترنت، بالطبع هذا تأثير إيجابي لثورة السوشيال ميديا.

وما حدث أن الحكومات أيضًا انتبهت لدور السوشيال ميديا؛ فلجأت إلى العمل على استخدامها لصالحها. كما استخدمت عددًا من الطرق لمواجهة الدور المتعاظم للسوشيال ميديا بوصفها صوتًا حرًا يمكن أن يعبر عن الرأي المستقل، والتي كان لها دور مهم في ثورة 25 يناير (كانون الثاني) في مصر، بحشد الجمهور وتعبئته ضد نظام مبارك. ومن هذه الطرق:

الطريق الأول: تقييد استخدامها من خلال إصدار القوانين المقيدة لحرية تداول المعلومات، ومعاقبة أصحاب الحسابات على فيسبوك وغيره من وسائل السوشيال ميديا، واتهامها باتهامات تدخل في إطار قانون مكافحة الإرهاب، ومن هذه الاتهامات نشر معلومات كاذبة، ومشاركة جماعة إرهابية في تحقيق أغراضها، وهو ما حدث في مصر على سبيل المثال في السنوات الأخيرة.

فبدلًا من إصدار قانون حرية تداول المعلومات، تصدر قوانين مقيدة لحرية الرأي والتعبير على الإنترنت، وتوجه اتهامات من عينة «نشر أخبار كاذبة» أو «مساعدة جماعة إرهابية على نشر أغراضها»، وكل هذا مقصود به تخويف المواقع الإخبارية والصحافية المستقلة، وصفحات فيسبوك، والتي تصل إلى غرامات مالية ضخمة، أو حجب هذه المواقع والصفحات، أو حبس المسئولين عنها.

الطريق الثاني: استخدام اللجان الإلكترونية التي تنشأ لهذه الأغراض مقابل الدعم المالي لأفراد هذه اللجان، وتعمل كأنها صفحات مستقلة ليست لها تبعية للنظام السياسي أو الأجهزة الأمنية، وهو ما يناقض مهمتها الأساسية، وفي الأيام الأخيرة نشرت معلومات أن إدارة فيسبوك قد أغلقت مئات الحسابات والصفحات، والتي تتبع شركات إماراتية ومصرية، أنشأتها للدفاع عن قرارتها، وترويج خطابها السياسي والإعلامي لجمهور السوشيال ميديا. هكذا تستخدم اللجان الإلكترونية لنشر الدعاية الفجة لهذه السلطة بدون استخدام أي منطق، من خلال استخدام آلاف الحسابات الكاذبة لخلق وهم بحدوث إنجازات سياسية. حتى لو وصل إلى ترويج أكاذيب، مثل سجن قائد الأسطول السادس الأمريكي في مصر.

أو بنسبة وفبركة مقالات ووجهات نظر غير صحيحة وكاذبة إلى سياسيين معارضين آخرين، وتشويههم باستخدام الفوتو شوب في اختلاق الصور، وبإنشاء المئات من الصفحات التي تروج أخبارًا غير حقيقية ومزيفة للواقع المعاش، أو التي تستهدف التمهيد لقرارات معينة.

ثالثًا: استهداف خلق معارك جانبية بين القوى السياسية المختلفة، واستنزافها في هذه المعارك؛ لإشغالها عن المعارضة الحقيقية لسياسات الأنظمة، وشرح أضرارها للناس والموااطنين، وجعلهم دائمًا في موقف الدفاع عن النفس.

رابعًا: استخدام مناخ التحريض والتعبئة السياسية ضد المنافسين السياسيين، بأن معارضتهم ليست لوجه الله، وأن وراءها أهداف أخرى ضد الوطن، واتهامهم بالعمالة والتمويل من الخارج.

خامسًا: اختزال القيادة السياسية في الوطن، والخلط بين كل منهما، وبالتالي عد أي نقد موجه لسياسات نطام ما انتقاصًا لدور الدولة، ورغبة في هدمها وتدميرها، وبالتالي تحفيز الموطنين لتمرير أي مواجهة حكومية أو أمنية لهذه القوى المنتقدة أو المعارضة، وعدها نصرًا مؤزرًا للدولة على أعداء الوطن، والذي أبدع المخرج الراحل عاطف الطيب في تصويره في فيلم البريء، من خلال استخدام الجهلة والغلابة في قتل المثقفين والمعارضين في السجون، وهو ما قدمه أحمد زكي الفنان الرائع في صورة العسكري أحمد سبع الليل.

هكذا تستخدم الحكومات والأنظمة العربية السوشيال ميديا؛ فهل ينتبه مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي إلى كل ما ينشر من شائعات وراءها تلك الحكومات الاستبدادية لمصالحها الخاصة، بتغييب إرادة الشعوب وتضليلها إعلاميًّا وعقليًّا واستخدامها ضد مصالحها في الحرية والعيش الآمن، والعدالة الاجتماعية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد