الأحمر، الأزرق، الأرجواني أو غيره، كيفما كانت ألوانها، كيفما اختلفت أشكالها، كيفما تنوعت خصائصها، مواقع التواصل الاجتماعي، صنعت جميعها، عالمًا من نوع آخر، نعم هو عالم افتراضي، ولكنه أصبح في نواح عدة، أشد وطأة من العالم الواقعي، هو عالم مواز، كل الشعوب فيه، شعب واحد هو الإنسان، وكل الأوطان فيه، وطن واحد هو الأرض، لغات الناس فيه تداخلت، وثقافات البشر فيه امتزجت، من أجل التقاء الآخرين ومقابلتهم لا تحتاج جواز سفر أو طائرات، لا تحتاج أن تحزم حقائبك أو تودع أهلك، كل ما تحتاجه لتعبر عن نفسك وتشارك أكبر عدد ممكن من البشر أفكارك وربما حياتك أيضًا بسهولة وسرعة عابرًا الحدود والبحار، هو أن تمارس رياضة التزحلق بسبابتك فوق شاشة ناعمة.

المدهش والعجيب، أن كل الأفعال أو الأفكار أو الأحداث، مهما صغرت في المكان أو الزمان أو القيمة، قد تصبح لأسباب عديدة، في لحظة، قضية وطنية أو حتى عالمية، يسمع عنها البعيد والقريب ويعرف عنها من شاء ومن أبى، ويقلدها ربما الصغار والكبار، وقد تغير شيئًا من واقع من يدري ومن لا يدري، قد تكون مجرد حركة تافهة، أو جملة عبيطة أو رقصة مقززة، أينما وليت بأصبعك القبلة، في أي صفحة اجتماعية أو منصة إلكترونية، لا تكاد تجد إلاها. ثم نشأت بذلك فئة من مواطني العالم الافتراضي، لا يتوانون عن نشر التفاهة، ومشاركة العبث، ليصبح كل من ولج هذا العالم وخصوصًا مواقع التواصل الاجتماعي، مضطرًا لتجاوز أمواج عالية من الانحطاط والتفاهة، قبل أن يجد محتوى يرسم على محياه ابتسامة نقية، أو يزرع في ذهنه فكرة جميلة أو ربما معلومة مفيدة، أو ببساطة، يترك في نفسه انطباعًا حسنًا، بكل ما يعنيه الحسن من المعاني العذبة الصافية، التي قد لا تخلو أيضًا من روح النكتة والدعابة.

من هنا تحمل وسائل الإعلام اللواء، لتنقل التافهين من عالمهم الافتراضي، وتصنع منهم رمزًا جديدًا من رموز المجتمع، متناسية كل أكفاء البلد والشباب المبدعين والمثقفين والمفكرين والفنانين الحقيقيين الذين عاش أغلبهم، كزهرة نمت وتفتحت في صمت وهدوء بين أكوام من الأشواك، فلا يكاد يبصرها أو يلمح جمالها إلا القليل. بين تصفيقات المتابعين أحيانًا، ومباركة الإعلام أحيانًا أخرى، يتوج التافه إذًا بطلًا، وتصبح تفاهته فنًا وصناعة، يستمر في نشرها وإذاعتها، أينما حللت وارتحلت، تجدها تملأ كلام الناس، وقد تجد تلك الحركات أو الكلمات المخلة في كثير من الأحيان، قد امتزجت أيضًا بشكل لا واع بكلام طفل أو لعب صبي، ووسط تكالب التفاهة والتافهين، يزداد الجرح نزيفًا، ويزداد الأنين.

أرى أجيالًا تفتح أعينها على أم وأب وشاشة، شاشة تخبئ خلفها قليلًا من حدائق المحتوى الهادف الصعب المنال، وكثيرًا من براكين المحتوى المخل، تتدفق منها حمم حارقة يكتوي بنارها كل أم وأب شاركهم في صناعة ذلك الطفل شاشة، قبل ذلك الطفل نفسه، الذي سيرضع من ثدي الشاشة صخبًا من الأفكار الطالحة التافهة التي تزيد روحه ظمأ وفكره جوعًا، أرى أجيالًا لا سلطان للأسرة عليها، لا سلطان للمدرسة عليها، إلا إذا دخل المعركة المتغيبون، وعاد للساحة المنسحبون، واقتحم المنصة المراقبون، وأقصد بكلامي كل ذي رأي سديد، كل ذي فكر سليم، كل ذي فن جميل، كل ذي إبداع مفيد، كل ذي علم نافع، كل ذي تجربة ملهمة، وكم تساءلت، إلا متى سيبقى كل هؤلاء أقل جرأة وأكثر بخلًا وأشد استحياء، من جنود المحتوى التافه؟ لم لا يزرع كل منهم بما يجيد زهرة بين الأشواك؟ يشعل شمعة في الظلام ؟ قد يكون جزءًا من الحل إن لم يكن الحل، أن يتصدق كل هؤلاء بما لديهم، أن يشاركونا كل ما عندهم، ألا يتركوا أيديهم مغلولة إلى أعناقهم، بل أن يبسطوها بسطًا يزاحموا به ما اختل من المحتوى خلف الشاشة، فمن أفضل ما يفعل الإنسان في حياته، أن يعطي كل ما لديه من جميل العطاء ولا يترك شيئا لنفسه، فسيدرك يومًا ما، أنه لم يكن يعطي إلا لنفسه.

أثارني في القطار يومًا مشهد طفل بجانب أمه، عيناه ساهمتان لساعتين أو يزيد في شاشة لوحته الإلكترونية، شاشة تنبعث منها الأضواء والضوضاء، وضعت على طاولة مقصورة القطار ضفضعة ورقية علمني أبي صناعتها وأنا طفل، لعلها تشد انتباه الصبي، ثم يسألني كيف صنعتها، ثم أتحداه في صناعتها أو في أن يتابعني ويفعل مثلما أفعل لصناعتها، لربما تحرك ورقة صغيرة بيضاء هادئة، ما ترسب من خياله وإبداعه، لكن دون جدوى، فقد كان أثر جاذبية الشاشة عليه، أشد وأقوى من جاذبة الأرض، فلطفًا بالأجيال القادمة، ومن اللطف أن نتهافت على نشر الإيجابية، فقد سئمنا من تهافت التفاهة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد