الإنسان بين الواقع والمواقع

وُضعَ إنسان القرن الواحد والعشرين بين كفتي الواقِع والافتراض بعدَ أن كانت حياتهُ مقتصرةً على المحيط الذي يعيش فيه، فأصبحت ذات نطاق واسع يمتد إلى ما وراء رقعته الجغرافية. تلاشت خصوصيةُ المرء مع هذا التطور الكبير الذي لحظه العالم في مجال الاتصال والتواصل ولعل أبرزَ أشكاله هو مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة التي جعلت العالمَ بيتًا صغيرًا لا قريةً فقط، لا أنكر المزايا التي منحتننا إياها هذه المواقع ولكن في المقابل ومع سوء استخدامها من قبل الأشخاص بمختلف أعمارهم جعلت منه إشكاليةً متداولة أُجريت لأجلها دراساتٌ وبحوث لتحديد ما إذا كانت نقمةً أو نعمَة وكيف السبيل للحدّ من آثارها السلبية على المُجتمع.

في زمن كان ينبغي على البشر مواكبةُ العَصر والتكنولوجيا أصبحَ الكل يلهث حول نفسه ويطمح إلى المثالية التي يراها في هذه العوالم الافتراضية والتي خلفها عوالم أخرى غير التي نراها، الكلُّ ينادي بأعلى حروفه أنظروا ها هُنا ملابسي الجديدة ما رأيكم وهذا طعامي لليلة، غدا سأذهب في رحلة وسأترك أطفالي لوحدهم في البيت سيتدبرون أمرهم ، هكذا تجدهم يضعونَ تفاصيل حياتهم دونَ الأخذ بعين الاعتبار أن هناكَ أرواحا شريرَة تجوب هنا وهناك وإذا حدثت المشكلة ندبوا حظوظهُم وهرولوا نحوَ الشرطة للشكاية، وآخرون جائعونَ لم يتذوقوا طعمَ الدجاج منذ شهر فتأخذ على عاتقك ذنبَ رغبتهم الدفينة تحت لواء الحاجة، ولا ننسى من خسِروا أنفسهُم بعدَ مزحة على شكل تغريدَة زجت بهم وراء القضبان وفتاةٍ بيعَت أعضائها بعدَ لقاء حبٍ افتراضي دامَ لسنوات، لم تتوقف مشاكل وسائل التواصل الاجتماعي عندَ هذا الحد فقط بل انتقلت إلى نشر الأخبار والاشاعات الكاذبة التي قد تودي بحياة العديد كما أنَّها أُستخدِمت لأغراض غير أخلاقية كاستعطاف الآخرين للتبرع بالأموال ليظهرَ بعد ذلك حسابا وهميًا من أجل النصب والاحتيال، بالإضافة إلى أنها غدَت وسائل استخباراتية بحتة.

سجنٌ افتراضي

تخلى الأشخاص عن شخصياتهم في هذا العالم الذي صنع بأيديهم، تعرّت أرواحهُم وكُشفت أسرارهم وأزيحَت الجدران عن بيوتهم، كل ما يتعلق بهم مُدون عندَ مجموعة ترأس هذا العالم وتحكُمه بنقرة زر واحدة، ضاعت الهيبةُ والجدية في التعاملات بين الطبقة المثقفة في محاولتهم لاثبات من هو المثقف المثالي، في هذا العالم الكلُّ يظهرُ بالمظهَر الذي يريدُه كأن يكونَ فتاة عشرينة، وهو رجلٌ ستيني، وآخَر يدعي بأنَّه ملكٌ يتربع على العرش في حين أنه لا يملكُ كرسيًا ليجلِس عليه أما تلكَ فهي ملكةُ جمال العالَم والكلُّ يتغزَّل بجمالهَا حتى أنهَا وقعت ضحيةً لكذبتهَا فصدَّقتهَا إذ قامت بانتحالِ إحدى الشخصيات المشهورة في منطقة ما من هذا الكوكَب وتنتجُ عن هذه الظواهر أمراضٌ نفسية تنعكس بالسلب على الفردِ والمجتمع، كما أنها السبب الرئيس في العزلة عن الناس وهشاشة الروابط الأسرية حتى في المناسبات السعيدَة.

إلى متى؟

عالَم افتراضي طغت عليه الواقعية وأكبرُ، تتلاشى شخصيةُ المرء وتضيعُ هيبته إن هو تمادى في غوصه من دون أن يأخذَه على محمل الجد، للكاتب والأستاذ والطبيب وغيرهم هيبةٌ لا ينبغي أن تضمحِلَّ بمجرد الجلوس وراء تلك الشاشة التي لا يتعدى طولها تسعة إنشات، وبصفة عامة أن نحنتفظ بإنسانيتنا وروحنا الحقيقية دون الإسهاب في إظهار التفاصيل وإزالة الحدود التي ما كانت لتزال في أرض الواقع.

استيقظ وانتبه قبل أن تغرق فتصبح حيًّا ميتًا فلا حياة لمن لا شخصيةَ له.

للعقل ميزانُ يزن بها الأمورَ ولا يسمحُ لكفة التبعية والإمعَة بالتغلب على المرء وتحويله لكائن يسير وفق مناهجَ افتراضية ويعيشَ فيهَا ويبني حياته بناءً عليهَا، ليس علينا التخلي عنهَا كليا وإنما الاعتدال والوسطية في استخدامها مع مراعاة للمبادئ التي جبلنا عليها، علينَا أن نعزّزَ الوعي ونساهمَ في تقديمِ الحقائقَ دون زيفٍ أو كذب بوضع برامِجَ خاصة للحدّ من مخاطر وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة ومراقبة الأسَر لأطفالِهم مع تحديد الفئات العمرية التي بإمكَانها استخدام هذه المواقع دونَ رقَابة، وذلك من خلال سنِّ قوانينَ دولية صارِمة من قِبل القائمين على هذه الشبكَات وفتحِ أخرَى موجهة لهم كبديلٍ عنهَا.

وتبقى مسؤولية استخدامها على عاتقنَا نحنُ فمهمَا حاولنَا عدم التوغُلِ واتخاذ العقلانية في تسييرهَا تبقى علامةُ الاستفهام تترد إلى عقولنَا هل سينجحُ مجتَمع هذا الزمن في مواجهَة هذا التطوّر أم أنَّ كفة النقمَة ستقلبُ الموازين؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد